"يجب ألا يصبح التراث الثقافي للبنان ضحيةً أخرى في هذا الصراع المدمّر."
بينما يحاول لبنان الحفاظ على إرثه الثقافي، كانت الأعمال العدائية الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله مستمرة في تهديد البنية التحتية الثقافية المحمية، فضلًا عن تدمير بعض منها ومحوها من على الأرض. شملت الأضرار الواسعة في تلك المواقع الآثار القديمة ومواقع التراث العالمي المعترف بها دوليًا، وصولًا إلى النسيج الحضري الحي والمعالم الدينية والقرى التاريخية بأكملها. لم تقتصر الخسائر على الدمار المادي فحسب، بل شملت أيضًا محو الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية للمجتمعات المتضررة.
يحظر القانون الدولي "تدمير الممتلكات الثقافية كوسيلة لترهيب السكان الخاضعين للاحتلال أو استخدامه كعمل انتقامي."
في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أدرجت اليونسكو لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، 34 ممتلكًا ثقافيًا في لبنان تحت الحماية المعززة بصورة مؤقتة، معتبرةً أي إضرار بهذه الممتلكات يُعد خرقًا صارخًا لاتفاقية لاهاي لعام 1954، وقد يُفضي هذا الانتهاك إلى الملاحقة القانونية. يوفر هذا الإجراء حماية قصوى من الهجمات والتدخلات العسكرية.
الجدير بالذكر أن هذا الإقرار جاء بعد سلسلة هجمات أثّرت مباشرةً على بعض المواقع المدرجة في القائمة، فيما هددت أخرى بأضرار جسيمة.
وثّقت منظمة "تراث من أجل السلام" في تقريرها الصادر في أكتوبر/تشرين الأول، تعرّض 27 موقعًا تراثيًا للتدمير، إضافةً إلى عدد من القرى الجنوبية التاريخية التي تعرّضت للمحو الكامل.
بعلبك: المدينة التاريخية
تُعد من أعرق المدن التي تمتلك إرثًا ثقافيًا غنيًا في لبنان.
تُعد مدينة بعلبك، الواقعة في محافظة بعلبك-الهرمل، من أعرق المدن التي تمتلك إرثًا ثقافيًا غنيًا في لبنان. تقع المدينة شرق نهر الليطاني، شمال سهل البقاع، قرب الطرف الغربي من سلسلة جبال لبنان الشرقية. وهي عاصمة قضاء بعلبك، أكبر الأقضية في لبنان من حيث المساحة، إذ تبلغ مساحتها 2319 كيلومترًا مربعًا، أي ما يعادل نحو ربع المساحة الإجمالية للبلاد.
تضم المدينة مجمع معابد بعلبك التاريخي، المعروف باسم المدينة الفينيقية القديمة. يحتوي هذا المجمع على قلعة بعلبك، وثلاثة معابد رئيسية: جوبيتر، وباخوس، وفينوس، بالإضافة إلى معبد ماركوري. وقد أُدرجت قلعة بعلبك ومجمع المعابد ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو في عام 1984، باعتبارها من أبرز الشواهد على الهندسة المعمارية للإمبراطورية الرومانية.
مبنى المنشية: من معلم تراثي إلى أنقاض
نشر مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي معلومات حول قصف الطيران الإسرائيلي لمبنى المنشية الواقع في محيط قلعة بعلبك.
يُعد مبنى المنشية من الأبنية القديمة التي أُنشئت في العصر العثماني، ويقع أمام فندق بالميرا التاريخي. يذكر البعض أنه كان من أوائل المقاهي التي أُقيمت في المدينة، حيث يعود بناؤه إلى فترة الانتداب الفرنسي على لبنان. وتحوّل لاحقًا إلى "بيت أصيلة"، وهو مشروع لبيع المنتجات المصنوعة محليًا والحرف اليدوية البعلبكية، كنوع من الاستثمار وإحياءً للتراث.
تحليل الهجوم والإطار الزمني
تعرّض المبنى للهجوم المباشر من قبل طائرات الجيش الإسرائيلي مساء 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ما أدى إلى تدميره كليًا. بالعودة إلى سلسلة المنشورات المتعلقة بالحادثة، أمكننا تحليل الإطار الزمني للهجوم، حيث وقع بعد إعلان الجيش الإسرائيلي عن وجوب إخلاء مدينة بعلبك والانتقال فورًا إلى خارجها، بما في ذلك القرى المجاورة، وذلك في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2024. جاء ذلك الإعلان بعد سلسلة من الهجمات التي أصابت المدينة.
إنذار الإخلاء
صورة نشرها أفيخاي على إكس لإنذار الإخلاء للجيش الإسرائيلي لمدينة بعلبك وبلدة عين بورضاي ودورس.
تصاعد الهجمات
لقطة شاشة لمنشور المحافظ بشير خضر يذكر وقوع 20 غارة على محافظة بعلبك-الهرمل تسببت بمقتل 30 وإصابة 35 آخرين.
بلاغ عن غارة قرب مقام السيدة خولة
لقطة شاشة لمنشور حساب كُن مواطن يتحدث عن وقوع غارة قرب مقام السيدة خولة في مدينة بعلبك.
بلاغ المحافظ الرسمي
نشر حساب محافظ بعلبك بشير خضر بيانًا حول وقوع غارة داخل موقف السيارات التابع للقلعة، مع الإضرار بحي المنشية الأثري.
تحليل وقت الغسق
بالعودة للبلاغات الأولية، تُظهر الصور المرفقة السماء وقت غسق الليل. حددت أداة suncalc وقت الغسق بـ 17:03:52 بالتوقيت المحلي.
الخلاصة: يمكن تحديد الوقت المحتمل لهجوم مبنى المنشية بين وقت غسق الليل (17:03:52) والبلاغ الرسمي من المحافظ (17:36:14) بالتوقيت المحلي للبنان.
تحليل الموقع الجغرافي
بالعودة إلى المحتوى البصري المنشور حول الحادثة، كفيديو قناة الأفضل نيوز، وحساب TRT عربي على يوتيوب، وقناة LBC news، وقناة SBI، وفيديو لبثين مباشرين لصفحة منكم ولكم، ذكرت الادعاءات أن الهجوم كان على مبنى المنشية أو ما يسمى ببيت الحرف البعلبكية الواقع داخل موقف سيارات قلعة بعلبك أمام فندق "بالميرا" الشهير.
طابقت المعالم البارزة المحيطة كقلعة بعلبك والأعمدة الرومانية الموجودة في المعابد الملحقة، ومبنى المديرية العامة للآثار، وبوابة ومبنى فندق بالميرا.
لقطات مطابقة بصرية لفيديو البث المباشر لصفحة منكم ولكم، وفيديو الأفضل نيوز، وTRT عربي، وصور أرشيف بعلبك، وموقع Thestraitstimes، بالإضافة إلى لقطات أرشيفية للموقع من مستخدمي خرائط جوجل 1 و2.
تحليل الضرر وتوثيق البانوراما والإحداثيات
ولكي يسهل علينا تحديد المعالم البصرية المميزة في صور الأقمار الصناعية، قمنا بتكوين صور بانورامية من فيديو TRT عربي والأفضل نيوز للموقع المدمر. حيث ظهر جليًا حجم الدمار الذي تعرّض له المبنى.
بالمطابقة البصرية لشكل المباني المحيطة الظاهرة بالمحتوى البصري المتعلق بالحادثة، وصور المعالم البصرية في صور الأقمار الصناعية، يمكن تحديد إحداثيات مبنى المنشية عند النقطة: 34.003731, 36.204063، وذلك أمام فندق بالميرا على بعد نحو 240 مترًا من معبد “هيليوبولس”. يقع المبنى على حافة موقف السيارات التابع لقلعة بعلبك وعلى بُعد نحو 104 أمتار من أقرب بقايا للأعمدة الرومانية التابعة للقلعة.
تحليل صور الأقمار الصناعية
بمراجعة صور الأقمار الصناعية الحديثة المتاحة أجرينا مقارنة بين صورة القمر الصناعي sentinel-2 يوم 5 و10 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ظهر التغيير واضحًا في الموقع المستهدف. يؤكد ذلك الضرر الذي لحق بالمبنى.
بالحديث عن الضرر، لم تذكر أي مصادر تأثر القلعة التاريخية وموقع التراث العالمي. ذكر المحافظ في بيان الحادثة أن القلعة ستخضع للتقييم من قبل المختصين بالآثار وبإشراف من اليونسكو للتأكد ما إذا شملتها الأضرار.
تواصلت نوى ميديا مع المهندس المسؤول عن إعادة ترميم المنشية، الدكتور سمير ربيز، بهدف الاستفسار عن أعمال الترميم ومدى الضرر الذي خلّفته الضربات على القلعة والآثار في بعلبك. يُعدّ ربيز مهندسًا معماريًا متخصصًا في ترميم الآثار، ويُشرف حاليًا على إعادة إعمار مبنى المنشية. يقول ربيز "ما بعرف ليش صار القصف، ما فيه أي سبب، المنشية مبنى مدني. وليس لدي أي فكرة ليش انضرب. الصاروخ كتير قوي، فايت بالبناية ونازل بالأرض نحو مترين ونصف، مطعوج الحديد، وهو صاروخ واحد."
يضيف ربيع حمد، وهو مهندس معماري مشارك في أعمال إعادة إعمار المنشية، "في الواقع لم يبقَ شيء من المنشية، كلها على الأرض. هناك بعض الأحجار طارت ووصلت إلى القلعة من قوة الضغط. وهناك بعض الأحجار وجدناها على سياج القلعة.
كما أخبرنا حمد، أن الفريق بدأ تقريبا بالعمل في ترميم المنشية منذ أواخر شهر كانون الأول/ديسمبر. حيث حالفهم الحظ بأن وجدوا بعد إزالة الردم بعض أحجار العناصر الأساسية للواجهة الأمامية، أي تلك الأحجار المحفورة والمزخرفة. وعندما بدأوا بالعمل لم تكن كل الأحجار موجودة في مكان القصف؛ إذ كان هناك جزء من الأحجار في مديرية الآثار، التي حافظت عليها ريثما تبدأ عملية إعادة ترميم المبنى، بينما اختفت بعض الأحجار من الواجهة الخلفية لأن الضربة نزلت تقريبًا من الجهة الخلفية أو على السْطَيحى التي تقابلها ثلاثة قناطر.
"الضربة أحدثت حفرة بعمق يقارب ثلاثة أمتار، وبعرض 6 إلى 7 أمتار. الصاروخ نزل على ميلة التراس الذي فيه ثلاثة قناطر كبيرة، ولهذا السبب بقيت أحجار الواجهة موجودة، الضربة لم تكن مباشرة عليها، ولكن الضغط طاير بعض الحجار الأمامية، إنما اختفت بعض الأحجار الخلفية" يؤكد حمد.
يضيف ربيز أنّ المنشية ستُعاد كما كانت، موضحًا أنّ أعمال الترميم تحتاج إلى ما بين سنة وسنتين لاستكمالها.
وأشار إلى أنّ ورشة العمل أنهت أعمال الحفر وتعريب أحجار المنشية، وهم الآن بانتظار اختيار المقاول المناسب لبدء ورشة الإعمار.
سور القلعة المنهار — قصف ثكنة غورو
بالعودة للبلاغات المنشورة حول الحادثة، ساعدت الكلمات المفتاحية مثل "ثكنة غورو، طريق البساتين، السور الروماني، قبة السعيدين" مع مقارنة المعالم البصرية المتاحة في تحديد الموقع الجغرافي للهجوم.
مطابقة بصرية للسور الروماني المدمّر، الصور مأخوذة من مجموعة صور نضال صُلح، صورة جمعية الشفاء، فيديو النشرة نيوز، صور أرشيف بعلبك.
تمكّنا من تحديد الموقع الجغرافي للهجوم في منطقة تقع خلف حي ثكنة غورو، وأمام قبة السعيدين، عند أطلال بوابة المدينة الشمالية، والتي تُعد امتدادًا للسور الروماني المعروف بمدخل إيعات.
يبعد الموقع عن موقع التراث العالمي نحو 371 مترًا، عند الإحداثيات: [34.010785, 36.203499].
لإضافة طبقة تحقق، طابقنا شكل الجبال المحيطة الظاهرة في صورة التقطتها عدسة نضال صلح، ما أظهر تطابقًا واضحًا بما في ذلك المباني المحيطة. والجدير بالذكر أن الضرر يبدو أنه شمل مبنيين بالإضافة إلى سور القلعة القديم.
عند مقارنة صور الأقمار الصناعية الحديثة، يوم 26 أكتوبر و5 نوفمبر 2024، ظهر تغيّر واضح دالًا على الضرر.
تعرّض السور الروماني الأثري لتدمير جزئي إثر الغارة. ما أدى إلى انهيار نحو 30 مترًا من السور حسب الادعاءات.
الجدير بالذكر أن السور الروماني الأثري يمتد إلى خارج قلعة بعلبك، ويقع تحديدًا بالقرب من ثكنة غورو. وتُشير بعض المصادر إلى أن السور الأثري يمثل امتدادًا لبوابة القلعة الشمالية، ويُعد من الأبنية الأثرية المُدرجة ضمن قائمة الأبنية الأثرية لعام 1936، إذ كان لا يزال قائمًا من الناحيتين الشمالية والغربية لموقع الثكنة، مما يوضح أن الثكنة بُنيت على مقربة من أو حتى دمجت أجزاء من التحصينات الرومانية القديمة.
وبذلك، نخلص إلى أنه في مساء 28 أكتوبر 2024، قُصفت مبانٍ خلف ثكنة غورو، ما أدى إلى تضرر السور الروماني التابع للقلعة. وتبع ذلك هجوم آخر في 6 نوفمبر استهدف مبنى المنشية القريب من القلعة أيضًا.