تحقيق مفتوح المصدر

يوم استهدفت إسرائيل حيًّا شعبيًا قرب مستشفى حكومي

تحقيق مفتوح المصدر حول استهداف حي المقداد السكني في بيروت من دون سابق إنذار.

إيناس شرّي بالشراكة مع المفكرة القانونية نُشر في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2025

منهجية التحقيق

القسم الأوّل والأكبر منه هو تحقيق مفتوح المصدر أجري تحت إشراف "مختبر نوى ميديا" في إطار تسخير موارد وقدرات تحليل المواد الإلكترونية والبصرية المتاحة من مصادر مفتوحة، ضمن مساعي كشف الحقائق وتبديد الأضاليل التي ترافق الجرائم الإسرائيلية في غزة ولبنان، ولاهتمام "المفكّرة القانونية" بإنتاج ونشر محتوى متخصّص مهني يشكّل إضافة قيّمة على المحتوى الذي نعمل عليه في إطار توثيق الجرائم الإسرائيلية المستمرّة في لبنان.

أسلوب التحقيق مفتوح المصدر يختلف عن أسلوب التحقيقات الصحافية المعتادة التي ننشرها لكون المحتوى تقنيًا. وهي تهدف إلى الوصول إلى نتائج عبر الاعتماد على معلومات متاحة في المصادر المفتوحة، من فيديوهات وصور وخرائط ومنشورات وتحليلها بالأدوات المناسبة. قد يجد القارئ نفسه أمام أمور قد يعتبرها بديهية ولكنها في الواقع ليست كذلك، وتحليلها بالأدوات المناسبة يعزّز مصداقيّتها. كذلك اقتضت الإشارة إلى أنّ هذا النوع من التحقيقات يمكنه أن يحوّل المعلومات مفتوحة المصدر إلى أدلّة في المحاكم.

القسم الثاني من التحقيق يجمع شهادات من سكّان الحي وأهالي ضحايا لتتمّ مطابقتها مع ما توصّلنا إليه عبر تحليل المصادر المفتوحة. كما يحلل النتائج بالاعتماد على الفريق القانوني في المفكرة القانونية.

أنتج هذا التحقيق في إطار التحقيق في جرائم حرب إسرائيلية محتملة على الأراضي اللبنانية من قبل فريق المفكرة القانونية.

تُظهر أدلّة متزايدة أنّ القوات الإسرائيلية تقاعست مرارًا عن حماية المدنيين والتمييز بين الأهداف العسكرية والمناطق السكنية في غاراتها على لبنان عامي 2023 و2024، كما وثّق تقرير هيومن رايتس ووتش.

وفي شهادة تعبّر عن حجم هذه الهجمات العشوائية تقول زينب نبهة، والدة إحدى الضحايا من سكّان الحي: "ابنتي قتلتها إسرائيل حين استهدفت حيًّا سكنيًّا آمنًا".

ملخّص عن الحادثة

في ليل 21 تشرين الأوّل/أكتوبر 2024 قصف الجيش الإسرائيلي حيّ المقداد في منطقة الجناح جنوب بيروت. لم تشهد المنطقة عمليات نزوح واسعة من سكانها كما حال الضاحية الجنوبية لبيروت، بل على العكس نزح إلى الجناح وحي المقداد تحديدًا عائلات منها عائلة حبيب بزّي التي خسرت 6 من أفرادها في القصف. وقال سكّان الحي في أكثر من تصريح صحافي بعد الاستهداف إنّهم كانوا يظنّون أنفسهم في منطقة آمنة.

وقع الهجوم في اليوم الثامن والعشرين من توسّع الحرب على لبنان (23 أيلول/سبتمبر 2024). وتركّزت الاعتداءات بعد توسّع الحرب على جنوب لبنان وبقاعه والضاحية الجنوبيّة لبيروت، فيما يقع الحيّ المقصوف خارج الضاحية الجنوبية وعلى أطرافها.

لم ينشر الجيش الإسرائيلي أيّ إنذار لإخلاء الحي قبل استهدافه وإنّما وجّه في الليلة نفسها إنذارات لإخلاء أبنية تقع في منطقتين بعيدتين هما الليلكي والأوزاعي.

وتشير شهادات الأهالي إلى أنّ عدد الشهداء بلغ 42 بينهم غير لبنانيين، فيما أعلنت وزارة الصحة عن 18 من بينهم أربعة أطفال وإصابة 60 آخرين ويُرجّح أن يعود هذا التفاوت إلى اختلاف منهجية الحصر بين الجهتين.

وحيّ المقداد، هو أحد الأحياء السكنيّة التي بُنيت بطريقة عشوائيّة على أطراف العاصمة بيروت وأخذ اسمه من آل المقداد الذين كانوا أوائل من انتقلوا إلى المنطقة من قراهم لأسباب اقتصادية وتحديدًا من بلدتي "لاسا" في قضاء جبيل في محافظة جبل لبنان، و"مقنة" في البقاع الشماليّ. وهم أوائل من بنوا هذا الحي الذي يسكنه بالإضافة إلى عائلات لبنانيّة عدد من العمّال الأجانب منهم سوريون وسودانيون.

يؤكّد هذه المعطيات رشيد المقداد الذي يسكن الحي منذ أوائل التسعينيات، الذي يصرّح لـ "المفكرة" أنّ الحي مبنيّ على أرض مشاع ومبانيه غير شرعيّة، وأنّ تاريخ تشكّله يعود إلى مطلع سبعينيات القرن الماضي. والحي مكتظّ والأبنيّة فيه مشيّدة عشوائيًّا ومتلاصقة إلى حدّ يصعب في أجزاء منه دخول السيّارات. وهذا ما عبّر عنه سكّان الحي وصحافيون خلال تغطيتهم للهجوم.

والحي قريب جدًا من مستشفى رفيق الحريري الحكومي، وقد ذكر المدير العام لوزارة الصحة العامة بالإنابة فادي سنان خلال مؤتمر صحافي في اليوم التالي للاستهداف أنّ المستشفى "يضمّ عددًا كبيرًا من المنظمات الدولية التي تعمل ضمنه، منها منظمة الصحة العالمية واليونيسيف والصليب الأحمر الدولي وأطباء بلا حدود، وبالتالي هذا الهجوم من أخطر الهجمات التي تحرّمها كلّ المواثيق والمعاهدات الدولية والعالمية".

سيكون هذا الاستهداف موضوع هذا التحقيق الذي اعتمد على ما استطعنا الوصول إليه من معلومات من مصادر مفتوحة، منها منشورات وصور وفيديوهات نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي بالإضافة إلى صور الأقمار الصناعية. وقمنا بتحليل ما جمعناه لإثبات عدّة أمور: وقوع الغارة في حي مكتظّ جدًا وقريب جدًا من مستشفى وهو مستشفى رفيق الحريري وتعرّضها للضرر، ووقوعها أيضًا بعيدًا من نطاق الإنذارات التي وجّهها الجيش الإسرائيلي في الليلة نفسها لمناطق في بيروت وبالتالي استهداف منطقة مدنية من دون إنذار. وبعد انتهاء تحليل المصادر المفتوحة أجرينا مقابلات ميدانية مع سكان من الحي وأهالي الضحايا وقد تطابقت مع نتائج تحقيقنا.

الاستنتاج القانوني: وتدعم هذه الاستنتاجات والأدلّة التي توصّلنها إليها فرضيّة أنّ هذا الاستهداف يُشكّل جريمة حرب، عبر استهداف مبان سكنية في حيّ مكتظّ في محيط مستشفى وقتل عدد كبير من المدنيين ومن دون سابق إنذار وهو ما لا يُمكن تبريره حتّى في حال وجود هدف عسكري، إذ يتعارض ذلك مع مبدأي التناسب والوقاية. وتدحض نتائج التحقيق الادّعاءات الإسرائيليّة بأنّها حذّرت السكان وأنّ المستشفى لم يتضرّر.


تحليل الطابع الزمني

نشر المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي على موقع "إكس" إنذارًا مرفقًا بخارطتين موّجهًا إلى "جميع السكان المتواجدين في منطقة الضاحية الجنوبية وتحديدًا في المباني المحدّدة في الخرائط المرفقة والمباني المجاورة: منحدر القارب والليلكي"، يطلب منهم الإخلاء فورًا و"الابتعاد عنها لمسافة لا تقل عن 500 متر". (ومنحدر القارب يقع في منطقة الأوزاعي بينما حي الليلكي في الضاحية الجنوبية لبيروت).

وعبر نسخ معرّف المنشور"timestamp" الموجود على المنصة "1848441399349317656" في موقع TweetedAt، لتعريف الطابع الزمني للمنشور، تبيّن أنّ توقيت المنشور هو الإثنين 21 تشرين الأوّل 2024 الساعة 22:09:06 بتوقيت لبنان المحلي.

لقطة شاشة لمنشور التحذير الإسرائيلي على منصة إكس
لقطة شاشة لمنشور التحذير الإسرائيلي على منصة "إكس"، وتحليل الطابع الزمني له عبر TweetedAt.
تحليل الطابع الزمني للمنشور عبر TweetedAt
لقطة شاشة لمنشور التحذير الإسرائيلي على منصة "إكس"، وتحليل الطابع الزمني له عبر TweetedAt.

بعد نصف ساعة وتحديدًا عند الساعة 22:39، نشرت الوكالة الوطنية للإعلام خبرًا يُفيد بوقوع غارة في محيط مستشفى الحريري في منطقة الجناح. في التوقيت نفسه نشرت أيضًا صفحة قناة "الميادين" خبرًا نقلًا عن مراسلها يُفيد بوقوع "غارة إسرائيلية على مدخل مستشفى الرئيس الشهيد رفيق الحريري الحكومي في منطقة الجناح".

لقطة شاشة للخبر على صفحة الوكالة الوطنية
لقطة شاشة للخبر على صفحة الوكالة الوطنية.

وعند التفتيش في المحتوى البصري المنشور عن الحادثة على موقع "إكس"، عثرنا على مقطع فيديو نشره حساب "مصدر مسؤول" عند الساعة 22:43:18 بالتوقيت المحلّي للبنان، يذكر فيه قصف "حي المقداد". وأظهر مقطع الفيديو الدخان والواجهة الجانبية للمستشفى. نشر بعد ذلك حساب SawtBeirut الساعة 22:48:31 يتحدّث عن وقوع الغارة على الحي بالقرب من المستشفى. كما نشر حساب @israa02m صورة ليلية للدخان المتصاعد إثر الضربة. ساعدتنا الصورة الأخيرة في التعرّف على اتجاه قدوم الدخان، وهذا ما سنوضّحه لاحقًا في تحديد الموقع الجغرافي.

لقطة شاشة لمنشور حساب مصدر مسؤول على إكس
لقطة شاشة لمنشور حساب "مصدر مسؤول" على منصة "إكس".
تحليل الطابع الزمني لمنشور مصدر مسؤول
تحليل الطابع الزمني لمنشور حساب "مصدر مسؤول" عبر TweetedAt.
صورة إضافية من موقع إكس حول استهداف حي المقداد
صورة من "إكس" لصوت بيروت تُظهر تصاعد الدخان إثر الضربة.
لقطة شاشة لمنشور صوت بيروت على إكس
، وتحليل الطابع الزمني لمنشور صوت بيروت عبر TweetedAt.

وعليه، أمكن تحديد الوقت المحتمل للهجوم يوم الإثنين 21 تشرين الأوّل 2024 ما بين الساعة 22:09:06 بتوقيت لبنان المحلي أي توقيت نشر التحذير الإسرائيلي بإخلاء "منحدر القارب" (الأوزاعي) وبين الساعة 22:48:31 وهو توقيت نشر أوّل بلاغ رسمي ذُكر فيه الهجوم على حي المقداد في منطقة الجناح.


تحليل الموقع الجغرافي

في التحليل لتحديد الموقع الجغرافي اعتمدنا على المحتوى البصري المنشور حول الحادثة، منه لقطات ظهرت أثناء رفع الأنقاض في تقرير مصوّر لـ "بي بي سي" ونقل مباشر لقناة "الميادين" في اليوم التالي للهجوم وفيديو نشر بعد لحظات منه لشخص يركض في الشارع.

وقد ذكرت بعض المواقع بعد الهجوم أنّ القصف طال "حيّ المقداد" في منطقة الجناح وأنّه قريب من مدخل مستشفى رفيق الحريري الحكومي، لذلك بحثنا بداية عن موقع مستشفى رفيق الحريري. ووجدنا صورًا نشرها مستخدم على خرائط غوغل طابقت واجهة نوافذها النوافذ الظاهرة في الفيديو الذي نشره حساب "مصدر مسؤول".

صورة لواجهة مستشفى رفيق الحريري
صورة لواجهة مستشفى رفيق الحريري نشرها مستخدم على خرائط غوغل.
لقطة شاشة من مقطع فيديو الشاهد يركض
لقطة الشاشة من مقطع الفيديو للشاهد الذي يركض، تطابقت مع صورة لمدخل مستشفى رفيق الحريري من موقع "غوغل".

يَظهر ملتقط مقطع الفيديو مندفعًا إلى الأمام باتجاه اليسار، حيث ظهرت أشياء تبدو كمظلات الشمس الموجودة في موقف السيارات في ساحة مبنى المستشفى. عند تحديد الاتجاه والعناصر الظاهرة في الفيديو، تمكنّا من تحديد موقع ظهور الدخان أي موقع الضربة المحتمل. وقد تطابقت لقطة الشاشة المأخوذة من مقطع الفيديو مع مدخل مستشفى رفيق الحريري.

وبعد تحليل الصور عبر خرائط غوغل تمكّنا من تحديد الموقع المستهدف.

لقطة شاشة من صور الأقمار الصناعية على خرائط غوغل
لقطة شاشة من صور الأقمار الصناعية على خرائط غوغل. السهم الأزرق لتحديد اتجاه سير (ركض) مصوّر فيديو قرب مستشفى رفيق الحريري. المستطيلان بالأحمر يظهران جانبًا من موقف السيارات وجانبًا من مبنى المستشفى.

قادنا أيضًا تحليل لقطة الصورة التي نُشرت على حساب إسراء على "إكس" وتحليل الاتجاهات إلى الموقع نفسه الذي رجّحنا أنّه موقع الاستهداف، حيث ظهر جليًا مبنى وزارة الصحّة بالإضافة لمبنى ومستودع تابع للأونروا. تمّ تحديد موقع التقاط الصورة من ملعب في بئر حسن يقع خلف مباني الأونروا عند إحداثية 33.865609, 35.493427.

لقطة شاشة للصورة التي نشرها حساب إسراء
لقطة شاشة للصورة التي نشرها حساب "إسراء" وأسفلها لقطة شاشة من خرائط غوغل، ويظهر تطابق المعالم.
لقطة شاشة من خرائط غوغل تطابق المعالم
لقطة شاشة من خرائط غوغل تطابق المعالم.

بالعودة إلى المحتوى البصري المتوفّر على الإنترنت، قمنا بمطابقة المعالم المميزّة الظاهرة في لقطات الفيديو. ولاحظنا ظهور أكثر من معلم كـبرج لواقط اتصالات ومبنى طويل ذي سقف مميّز بما يبدو مظلّة، ومبنى يظهر بلون مميّز أيضًا اتضح أنه لون طلاء الغرفة الداخلية بعد تضرّر واجهة المبنى وتحطّم نصف واجهته، بالإضافة إلى نخلة تُحاذي أشجارًا في شارع مقابل.

لقطات بصرية متطابقة لعمود الإرسال
لقطات بصرية متطابقة لعمود الإرسال من مصادر مختلفة
لقطات بصرية متطابقة تُظهر سقف أحد الأبنية المتضررة
لقطات بصرية متطابقة تُظهر سقف أحد الأبنية المتضررة
لقطات بصرية لمبنى تضرّرت واجهته وسقط نصفه
لقطات بصرية لمبنى تضرّرت واجهته وسقط نصفه. يظهر الطلاء والمحتوى الداخلي للغرف.
لقطات بصرية متطابقة لشجر النخيل
لقطات بصرية متطابقة لشجر النخيل تظهر شجرة النخيل مبتورة الرأس، الذي قد يكون تحرّك بفعل أعمال رفع الأنقاض.

بالمطابقة البصرية لشكل المباني المحيطة الظاهرة في المحتوى البصري المتعلّق بالهجوم وصور المعالم البصرية من خرائط غوغل تمكّنا من تحديد الموقع المتضرّر والذي يقع تحديدًا في حي المقداد، في منطقة الجناح مقابل مستشفى رفيق الحريري عند إحداثية 33.861872, 35.491933.

لقطة شاشة للالحي من خرائط غوغل
لقطة شاشة للحي من خرائط غوغل وأسفلها لقطة من مقطع فيديو نشرته "بي بي سي"، تُظهران تطابق المعالم

تحليل صور الأقمار الصناعية

ولإضافة طبقة تحقّق لحجم الضرر الفعلي، قمنا بمطابقة صور الأقمار الصناعية الحديثة مع موقع الضرر في صور أرشيفية حصلنا عليها من القمر الصناعي SkySat إحداها صوّرت في تاريخ 25 آب/أغسطس 2024، قبل الحادثة بحوالي شهرين، وأخرى في تاريخ 31 تشرين الأوّل 2024 أي بعد الهجوم بحوالي 10 أيام. كان الضرر واضحًا، حيث ظهرت ثلاثة من المباني قد دُمّرت تمامًا بينما تضرّر جزئيًا حوالي 6 مبان محيطة.

صورة القمر الصناعي بعد الهجوم (31 تشرين الأول 2024)
صورة القمر الصناعي قبل الهجوم (25 آب 2024)
قبل بعد
صورتان من القمر الصناعي SkySat لموقع الحادثة، تُظهران المنطقة قبل (25 آب 2024) و بعد (31 تشرين الأوّل 2024) الهجوم. اسحب المؤشر للمقارنة بين الصورتين.

ويُعيدنا ذلك إلى الحديث عن أنّ الحي شعبي ومكتظّ. ولمعرفة مساحة محيط الضرر الناجم عن الهجوم، استعنّا بـ "غوغل إيرث"، فتبيّن أنّ الضرر امتدّ في محيط يُقدّر بـ 99.92 مترًا ومساحة تُقدّر بـ 662.21 مترًا مربعًا.

لقطة شاشة من غوغل إرث تُظهر قياس مساحة الدمار
لقطة شاشة من "غوغل إرث" تُظهر قياس مساحة الدمار.

والحي المتأثر على مقربة من مستشفى الحريري، ما يجعلها ضمن نطاقه. وعند قياس المسافة اتضح أنّ المستشفى يبعد حوالي 100 متر عن موقع الهجوم، ما ألحق بها أضررًا مادية كبيرة كما أثار الرعب بين المدنيين والمرضى. ولاسيّما في ظلّ الهجمات الإسرائيليّة المتكرّرة على مؤسّسات طبيّة وطواقم الإسعاف.

لقطة شاشة من خرائط غوغل تُظهر قرب الاستهداف من المستشفى
لقطة شاشة من خرائط غوغل تُظهر قرب الاستهداف من المستشفى.

وقد رصدت تقارير إخباريّة صوّرت من داخل مبنى المستشفى، الأضرار التي لحقت به جرّاء الهجوم، وطالت حتّى زجاج غرف المرضى. وخلال المؤتمر الصحافي الذي انعقد في اليوم التالي للضربة، وصف مدير عام المستشفى جهاد سعادة الأضرار بـ "الجسيمة" وتحدّث عن تكسّر لزجاج أقسام، منها واجهة صيدليّة المستشفى الذي قد يعرّض الأدوية للتلف إذ يحتاج حفظها الحفاظ على مستوى معيّن من الحرارة. كما تحدّث عن أضرار كبيرة أصابت ألواح الطاقة الشمسيّة والجدران، في ظلّ وضع اقتصادي صعب تُعاني منه المستشفيات الحكومية التي تعمل خلال الحرب بإمكانيات محدودة.

وقال سعادة في اتصال مع "المفكرة" إنّ واجهة غرفة غسيل الكلى تعرّضت أيضًا لضرر كبير، لافتًا إلى أنّ المستشفى كان يقوم بخدمات أساسيّة في ظلّ استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة على الضاحية الجنوبية. ومن هذه الخدمات فتح أقسام جديدة لاستقبال مرضى مستشفيات الضاحية، لقرب مستشفى الحريري منها وبسبب عدم أمان تلك المستشفيات وصعوبة الوصول إليها. وأوضح أنّه تمّ نقل مرضى العناية الفائقة من مستشفى الرسول الأعظم في برج البراجنة إلى قسم في مستشفى الحريري كان افتتح خلال انتشار فيروس كورونا، وأنّ العيادات في المستشفى كانت حاجة للنازحين من منازلهم حينها، إذ كانت تستقبل وبشكل كبير نازحين للمعاينة.

وأكد سعادة خلال المؤتمر الصحافي وجود إشارات واضحة على سطح المستشفى تدلّ على طبيعة المكان باعتباره مستشفى محميًّا وفقًا لقوانين الحرب مع ذلك تعرّض للضرر نتيجة تطاير الشظايا.


سياق الحادثة وارتباطه بالتحليلين الزمني والجغرافي

أوّلًا: تهديد مستشفى الساحل القريب نسبيًّا

في 21 تشرين الأوّل 2024، تحديدًا الساعة 20:59 نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي منشورًا يدّعي فيه أنّ "حزب الله يحتفظ بمئات الملايين من الدولارات بالعملات الورقية والذهب تحت مستشفى الساحل في حارة حريك"، المستشفى الذي يبعد عن مستشفى رفيق الحريري حوالي 1.28 كلم. وزعم أنّ هذه الأموال هي "لاستخدامها لتمويل أنشطته الإرهابية" مرفقًا بفيديو وصور وصفها بـ "التوضيحية". شرح ذلك تفصيلًا دانيال هاغاري الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي في إعلان مصوّر نُشر على حساب الجيش الإسرائيلي على "إكس"، مؤكدًا أنّ إسرائيل تراقب المستشفى ولن تقوم باستهدافه.

لقطة شاشة من خرائط غوغل تبيّن المسافة بين موقع الاستهداف ومستشفى الساحل
لقطة شاشة من خرائط غوغل تبيّن المسافة بين موقع الاستهداف موضوع التحقيق وبين موقع مستشفى الساحل المُهدّد.

يُعتبر ما نشره المتحدث كما ما قاله هاغاري تهديدًا لهذا المستشفى لأسباب عدّة:

- التهديد جاء بعد 28 يومًا من توسّع الحرب الإسرائيلية على لبنان (23 أيلول 2024) قصفت خلالها إسرائيل مراكز صحيّة وطواقم الإسعاف ومستشفيات ومعظمها في جنوب لبنان. لذلك تسبّبت هذه التصريحات بحالة من الذعر لدى المرضى والطاقم الطبي في مستشفى الساحل، وتمّ إخلاؤه رغم نفي مديره المزاعم الإسرائيلية. وكان المستشفى يعاني قبل هذا التهديد من القصف القريب الذي لم يكن يبعد عنه أكثر من 500 متر أحيانًا. ولم يتمكّن أكثر من 20 موظفًا من طاقمه الطبي والتمريضي من الوصول إليه، علمًا أنّ عدد موظفيه في كلّ الأقسام والفئات لا يقلّ عن 500 موظف.

- تماثل هذا التهديد مع التهديد الذي أطلقته إسرائيل سابقًا لمستشفى الشفاء في غزة، إذ عرضت رسومًا لأنفاق تحته، وزعمت أنّ "حماس" تستخدمها كبنية تحتية، وذلك قبل أيام من قصف مدخل المستشفى، لتقتحمه قوّاتها لاحقًا.

- الحديث عن أموال تحت المستشفى جاء بعد يوم واحد من تهديد المتحدث ما أسماه "بنى تحتية تابعة لجمعية القرض الحسن التابعة لحزب الله" بحجّة "تمويل قسم كبير من أنشطة منظمة حزب الله الإرهابية" الحجّة ذاتها في تهديده مستشفى الساحل. وبالفعل شنّت إسرائيل ليلًا، بعد التحذير، أكثر من 19 غارة على عدد من المباني المدنية التابعة للقرض الحسن في مناطق مختلفة، وهي هجمات اعتبرتها "المفكّرة" ترقى إلى جريمة حرب كون الأعيان المالية لا تشكّل وحدها هدفًا مشروعًا للهجمات العسكرية.

كلّ ذلك أثار الرعب بين المدنيين عند بدء تواتر الأخبار حول استهداف الحي القريب من المستشفى، ودفعهم إلى الاعتقاد بداية بأنّ الهجوم هو على مستشفى رفيق الحريري ضمن حرب إسرائيل على القطاع الصحي وهذا كان واضحًا من خلال عدد من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي التي تحدّثت بداية عن استهداف المستشفى. قد يكون ذلك نتيجة "أخبار غير دقيقة تناقلتها بعض مواقع التواصل الاجتماعي تشير إلى وجود مخزن لحزب الله في مستشفى رفيق الحريري الجامعي بناء على خطأ ناجم عن التباس بالترجمة" بحسب بيان للمستشفى نُشر في 23 تشرين الأوّل. وأضاف البيان: "لإيضاح الحقائق توجّه مراسل قناة "العربية" الحدث إلى المستشفى لتصوير كافة المخازن للتأكّد من الوضع الفعليّ وتصحيح الخطأ الوارد في الترجمة". وظهر مدير المستشفى خلال الجولة يوضح أنّ اللغط ناجم عن خطأ في الترجمة.

ثانيًا: استهداف خارج التحذيرات

في 21 تشرين الأوّل وتحديدًا الساعة 22:09 أي بعد ساعة وعشر دقائق من تهديد مستشفى الساحل وجّه المتحدث إنذارًا "بالإخلاء إلى السكّان المتواجدين في منطقة الضاحية الجنوبية وتحديدًا في المباني المحددة في الخرائط المرفقة والمباني المجاورة لها في منطقتي الليلكي ومنحدر القارب". عند قراءة الخرائط يتبيّن ما يلي:

منطقة الليلكي:

جاء التحذير لمبنى يقع بالقرب من مدرسة وروضة الصادق مقابل ملحمة الشاطر، أو ملحمة جرادي كما ورد اسمها في خريطة الجيش الإسرائيلي. يقع المبنى تحديدًا عند إحداثية 33.83331, 35.515795، والتي تبعد حوالي 3.90 كلم عن موقع الهجوم موضوع التحقيق.

لقطتا شاشة لإحدى خريطتي التحذير وخرائط غوغل تبيّن المبنى المُحذر
لقطتا شاشة لإحدى خريطتي التحذير وخرائط غوغل تبيّن المبنى المُحذر، أسفلهما لقطة شاشة من خرائط غوغل تُظهر بُعد الموقع المهدّد عن موقع الاستهداف موضوع التحقيق

منحدر القارب:

وهو موقع قريب من مسجد النصر الذي يقع على خط الساحل حيث جاء التحذير لإخلاء منطقة الأوزاعي عند الإحداثيات 33.843149, 35.484122. والتي تبعد حوالي 2.21 كلم عن نقطة الهجوم موضوع التحقيق، وتعتبر الأقرب إلى الحي المتأثر من حيث التحذيرات ذلك اليوم.

لقطتا شاشة للخريطة الثانية المرفقة مع تهديد المتحدث
لقطتا شاشة للخريطة الثانية المرفقة مع تهديد المتحدث وأخرى تُحدّد المكان المهدّد عبر خرائط "غوغل إيرث" مع تحديد مساحة المنطقة المحذّرة، أسفلهما لقطة شاشة من "خرائط غوغل" تُظهر بُعد الموقع المهدّد عن موقع الاستهداف موضوع التحقيق.

بالتفتيش أكثر في منشورات المستخدمين عن هجوم الأوزاعي (منحدر القارب) على "إكس"، عثرنا على أول ناشر أمكننا الوصول إليه في إطار البحث، يوم الإثنين 21 تشرين الأوّل 2024 الساعة 22:39:06 بتوقيت لبنان المحلي.

لقطة شاشة للمنشور على منصة إكس
لقطة شاشة للمنشور على منصة "إكس"، وتحليل الطابع الزمني له عبر TweetedAt.
تحليل الطابع الزمني للمنشور
تحليل الطابع الزمني للمنشور.

ونشرت قناة الميادين خبرًا يتحدّث نقلًا عن مراسلها عن استهداف منطقة الأوزاعي. ويبدو من خلال الصفحة أنّ الخبر نُشر الساعة 22:35 بتوقيت لبنان المحلي.

لقطة شاشة تُظهر الخبر وتوقيته
لقطة شاشة تُظهر الخبر وتوقيته.

يُرجّح أن يكون استهداف الأوزاعي حصل ما بين الساعة 22:09:06 توقيت الإنذار والساعة 22:35 توقيت نشر أوّل بلاغ رسمي. وبمقارنة النطاق الزمني المحتمل لهجوم الأوزاعي مع النطاق المرجح لهجوم حي المقداد (كما بيّنا سابقًا) يُرجّح أن يكون الهجومان حدثا بفارق زمني ضئيل.

الخلاصة: هذا التحليل يقودنا إلى نتيجة مفادها أنّ الجيش الإسرائيلي استهدف حيًا مدنيًا بعيدًا عن نطاق التحذير وبالتالي لم يشمله التحذير.


ادّعاءات حول الهجوم

غالبًا ما يُعلن الجيش الإسرائيلي عن شخصيات مستهدفة في هجماته أو عمّا يُسمّيه أهدافًا عسكرية ولاسيّما في حال الاستهدافات التي تأتي من دون إنذارات. لم نجد في نطاق بحثنا في الحساب الرسمي للجيش الإسرائيلي وحساب المتحدث على موقع "إكس"، أي إيضاحات أو مبرّرات لهجوم حي المقداد، وإنّما جميعها قد تحمل إشارة إلى هذا الهجوم ضمن سلسلة هجمات شنّتها إسرائيل في ذلك اليوم.

نشرت صفحة الجيش الإسرائيلي منشورًا في 22 تشرين الأوّل تذكر فيه أنّ الجيش الإسرائيلي ضرب "منشآت تخزين أسلحة ومراكز قيادة وأهدافًا إرهابية إضافية تابعة لحزب الله في بيروت"، مدّعية، أنّه "قبل الضربات، اتُخذت خطوات عديدة للتخفيف من خطر إيذاء المدنيين، بما في ذلك إصدار تحذيرات دقيقة ومسبقة" في إشارة ربما إلى هجوم الأوزاعي والليلكي.

لقطة شاشة لمنشور الجيش الإسرائيلي في 22 تشرين الأوّل
لقطة شاشة لمنشور الجيش الإسرائيلي في 22 تشرين الأوّل

وبالبحث عن أيّ ادّعاءات إسرائيلية أخرى حول ارتباط قصف حي المقداد بهدف عسكري أو شخصية قيادية، وجدنا ما يلي:

- نقلت رويترز أنّ الجيش الإسرائيلي أعلن في 22 تشرين الأوّل، اليوم التالي للهجوم، أنّه ضرب هدفًا لـ "حزب الله" قرب مستشفى الحريري وأنّه لم يستهدف المستشفى وأنّها لم تتضرّر.

- في كانون الثاني 2025 أي بعد أشهر من وقوع الحادثة، نشرت "بي بي سي" تحقيقًا مصوّرًا عن الهجوم، ذكرت فيه أنّ الجيش الإسرائيلي وردًّا على استفسار منها، قال إنّ هدف القصف كان "مركز قيادة لحزب الله يضمّ عنصرًا قياديًا كبيرًا" وأنّ الجيش رفض تقديم مزيد من التفاصيل أو اسم الشخص المستهدف.

لقطة شاشة من تقرير بي بي سي
لقطة شاشة من تقرير "بي بي سي"

الجدير بالذكر أنّ حزب الله توقّف عن نعي عناصره بعد توسّع الحرب في 23 أيلول 2024، واستمر بنعي قادته. ولم تفضِ عملية البحث التي أجريناها عمّن نعاهم الحزب بعد 21 تشرين الأوّل أي بعد قصف حي المقداد، إلى أي اسم ارتبط اسمه بالهجوم. كما أفادت الشهادات من سكان الحي أنّه لا وجود لمراكز لـ "حزب الله" في الموقع المستهدف.

وفي معرض الحديث عن الادّعاءات نشر عدد قليل من الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي خبرًا عن استهداف مركز لـ "حركة أمل". إلّا أنّ الخبر تمّ نفيه من قبل الحركة وهو ما نقلته وسائل الإعلام. وترتبط هذه الإشاعة ربما بطابع المنطقة التي تتمتّع فيها الحركة بنفوذ واسع. ولم تتبنّ أي جهة بما فيها الإسرائيليّة هذا الادعاء.

تفنيد الادّعاءات الإسرائيليّة

لا نستطيع الجزم بوجود هدف عسكري أو عدمه في الموقع المستهدف ولكن بحسب الفريق القانوني في "المفكّرة" حتى في حال وجود هدف عسكري مشروع، يجب احترام مبدأ التناسب بحيث يُحظر الهجوم الذي قد يُتوقع منه أن يُسبّب بصورة عارضة خسائر في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم، أو أضرارًا بالأعيان المدنية، ويكون مفرطًا في تجاوز ما يُنتظر أن يُسفر عنه من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة (القاعدة 14 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي وفقًا للجنة الدولية للصليب الأحمر). فقد أدّى الهجوم المذكور إلى مقتل 18 مدنيًّا بينهم أطفال بحسب وزارة الصحّة.

أما ادّعاء إسرائيل أنّ المستشفى لم يتضرّر، فقد أظهرت التقارير الإخباريّة المصوّرة حجم الضرر الذي أصاب المستشفى، وكذلك حديث مدير المستشفى لـ "المفكرة" حين أشار إلى تعرّض المستشفى لأضرار جسيمة لاسيّما قسم غسيل الكلى والصيدليّة وألواح الطاقة الشمسيّة. وكما خلصنا سابقًا يبعد المستشفى 100 متر فقط عن نقطة الهجوم.

ودان مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك الهجوم الإسرائيلي القريب من مستشفى رفيق الحريري مذكرًا بالحماية الخاصة التي تحظى بها المستشفيات. وطالب تورك بإجراء تحقيق سريع وشامل في أيّ حوادث تؤثر على المستشفيات.

وبحسب الفريق القانوني لـ "المفكرة" الذي نشر إخبار جريمة حرب بهذا الاستهداف، فإنّه يأتي ضمن منهجية الاحتلال الإسرائيلي لتدمير المنشآت المدنية، وعلى وجه الخصوص المنشآت المستخدمة من قبل القطاع الصحي في غزة ولبنان. وكان الفريق رصد لغاية تاريخ الهجوم على حي المقداد، أنّ الهجمات الإسرائيلية في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية أدّت إلى إخراج 7 مستشفيات من الخدمة بشكل كامل، في حين اقتصر العمل في مستشفيين آخرين على الحالات الطارئة.

وتحظر قوانين الحرب استهداف المستشفيات والطواقم الطبية التي تعنى بمداواة الجرحى والمرضى. واحترامًا لمبدأ الوقاية، يجب اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة عملياً بهدف تجنيب الخسائر في الأرواح والإصابات بين المدنيين والأضرار التي تلحق بالأعيان المدنية. ويجب بذل جهد أكبر في احترام مبدأ الوقاية عندما يكون العمل العسكري قريبًا من المستشفيات، بحسب الفريق القانوني.

وأشار الفريق القانوني في "المفكرة" أيضًا إلى تهديد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، مستشفى الساحل في حارة حريك في الضاحية الجنوبية، مدّعيًا أنّ حزب الله أودع في أنفاق تحتها الودائع لدى مؤسّسة القرض الحسن، من دون استهدافه. ووضع ذلك في إطار أعمال التهديد بالعنف المحظورة، إذ من شأنه إرغام طواقم المستشفيات على الإخلاء، وتاليًا حرمان الجرحى والمرضى من الحماية التي تضمَنها قوانين الحرب، كما من شأنه أن ينشر الرعب بين السكّان المدنيين.

وفي هذا السياق لا بدّ من الإشارة إلى أنّه خلال الحرب الإسرائيليّة على لبنان، شنّت إسرائيل هجمات على مبان سكنيّة من دون تحذير منها مبان كانت تؤوي نازحين، أدّت إلى استشهاد عشرات المدنيين وفي بعض الأحيان القضاء على عائلات بأكملها.


شهادات سكّان الحيّ تطابقت مع نتائج التحقيق

بعد عام من الهجوم زارت "المفكرة" حي المقداد في منطقة الجناح جنوب العاصمة بيروت. وتواصلت مع عدد من سكّانه وأهالي الضحايا التي تطابقت شهاداتهم مع النتائج التي توصّل إليها التحقيق. إذ أشار شاهد من الجنسيّة السوريّة فضّل عدم ذكر اسمه أنّ الهجوم وقع حوالي الساعة 22:20 دقيقة لافتًا إلى أنّ زوجته وأحد أبنائه كانا في الحي لحظة الاستهداف، وأنّه كان في طريقه لإخراجهما منه بعد تحذير الأوزاعي.

"خفت أن يسمع ابني الصوت، وخفت أكثر أن تؤثّر الضربة على البناء، فهو غير شرعي وغير آمن قد لا يتحمّل عصفًا قويًّا، ما أن نُشر تحذير الأوزاعي حتى اتجهت صوب الجناح، وما أن وصلت إلى السفارة الكويتيّة المسافة التي لا تحتاج إلى 10 دقائق حتّى سمعت صوت الضربة على الجناح، أقدّر أنّ الضربة وقعت على أبعد تقدير بعد التحذير بـ 10 دقائق".

ويُشير رشيد المقداد أحد سكّان الحي الذي فقد في الاستهداف ثمانية من أفراد عائلته بينهم 3 أطفال إلى أنّ الهجوم وقع تحديدًا على الساعة 22:22. "ما أن نشر تحذير الأوزاعي وكنت خارج الحي حتّى اتصلت بابني لأخبره، وما هي إلّا دقائق حتى سمعت صراخه، أذكر جيدًا كانت الساعة 22:22 دقيقة" يقول.

يتحدّث المقداد عن مقتل 42 شخصًا بينهم سوريون وسوداني الجنسيّة فـ "الحي شعبي وهو يستقطب العمّال". ويضيف أنّ هذا العدد يُضاف إلى عدد من المفقودين من الجنسيّة السوريّة يُقدّر عددهم بالخمسة. أمّا عن عدد الأبنيّة المتضرّرة فيؤكّد أنّها ثلاثة مبانٍ كلّ واحد مكوّن من 3 طبقات، دّمّرت كليًّا بالإضافة إلى بيتين أرضيين. فيما تضرّر بشكل مباشر 10 مبان تضمّ 60 منزلًا.

يلفت المقداد إلى أنّه حين اتصل بابنه ليعلمه بتحذير الأوزاعي لم يكن بدافع الخوف من أيّ استهداف للحي، ولكن خوفًا من أن تتأثر المباني بعصف أو رجّة "نحن هنا على بعد أمتار من مستشفى الحريري، وهذا كان يُشعرنا بالأمان كونها محميًّا في الحروب، حتّى أنّ عددًا كبيرًا من سكّان الحي كانوا وكما العادة عند وجود تحذيرات قريبة نسبيَّا يذهبون إلى باحة المستشفى".

بالإضافة إلى وجود المستشفى يُشير المقداد وهو من سكّان الحي منذ التسعينيات إلى أنّه يعرف جميع سكّانه ولا يوجد أيّ مركز حزبي وبالتالي كانوا يستبعدون أيّ هجوم مباشر.

يُخبرنا المقداد أنّ تاريخ الحي يعود إلى السبعينيات حيث نزحت إليه عائلات من آل المقداد من مقنة ولاسا، مشيرًا إلى أنّه إداريًا يُحسب على بيروت وعقاريًا على الغبيري. وهو مبني على أرض مشاع.

زينب نبهة التي فقدت ابنتها آلاء بلال دبّوس (19 عامًا) في الاستهداف تقول لـ "المفكرة" إنّها وُلدت في هذا الحي وإنّها لطالما اعتبرته آمنًا فسكّانه مدنيون معروفون بالنسبة إليها، مشيرة إلى أنّه يوم الاستهداف وبعد تحذير الأوزاعي مباشرة قرّرت أن تذهب إلى باحة مستشفى الحريري "تحسّبًا لأي تكسّر للزجاج نتيجة ضربة الأوزاعي، أو عصف، وكما يفعل السكّان عادة" وما أن بدأت بتحضير نفسها حتى شعرت بعصف الغارة على الحي.

استشهدت ابنة زينب بينما كانت جالسة أمام بيت الجيران "لم تجفّ لي دمعة، ابنتي قتلتها إسرائيل حين استهدفت حيًّا سكنيَا آمنًا، ابنتي كانت جالسة مع رفيقاتها أمام المنزل، وفقدتها".

حتّى هذه اللحظة وكما أكّد الشهود لم يتواصل أحد معهم من الدولة اللبنانيّة لم تدوّن أي جهة رسمية شهادتهم حول الحادثة.