يبدأ الفيديو بلقطة ثابتة من نافذة سيارة تسير في شارع خال داخل بلدة مدمرة. تهتز العدسة بخفة وتتجول بين الركام والجدران المتفحمة. الكاميرا مرفوعة فوق سقف السيارة، تصور إلى اليمين وتلتف أحيانًا يسارًا، ثم تعود إلى الخلف والأمام، وتستمر على هذا المنوال نحو 45 ثانية. فجأةً، يظهر جندي إسرائيلي على يمين الطريق تحت شجرة سرو يتقدم نحو منتصف الشارع، ويخرج آخر من مبنى في الجهة المقابلة، بينما تظهر آليتان عسكرية على اليسار.
تتوقّف السيارة ثم تشرع في الرجوع، على وقع وابلٍ من الرصاص وصراخ أطفال من داخل المركبة. تهتز الكاميرا بعنف، وتثبت اللقطة على المقعد الأمامي، فيما يتحوّل صراخ الأطفال إلى ما يشبه المناجاة. تُسمع 25 رصاصة في أقل من 25 ثانية، وينتهي التسجيل.
نُشر الفيديو على منصات التواصل في 27 كانون الثاني 2025، لكنه لم يحمل مؤشرًا صريحًا لمكان الحادث أو توقيته، أو هويات الضحايا. يعيد هذا التحقيق المفتوح المصدر تفكيك المشهد، مستندًا إلى تحليل بصري، تثبيت زمني ومكاني، مراجعة البيانات الرسمية، وتقاطعها مع شهادات مباشرة.
تبيّن النتائج أن الحادثة وقعت عصر الأحد 26 كانون الثاني 2025 في وسط بلدة عيترون، داخل منطقة كانت تشهد تمركزًا مؤقتًا للقوات الإسرائيلية، وأسفرت عن استشهاد السائق موسى حسن علويّة أمام أطفاله الثلاثة وقريبه، فيما أُصيب القريب وأحد الأطفال بجروح.
وتُظهر الأدلة أن ما وثّقه التسجيل قد يرقى إلى جريمة حرب موثّقة بالصوت والصورة، إذ فتح جنود إسرائيليون النار على سيارة مدنية تقل أطفالًا، في خط رؤية مباشر، من دون أي اشتباك أو تهديد ظاهر.
من؟ متى وأين؟
لبناء صورة دقيقة لما نراه في الفيديو المرّوع، كانت الخطوة الأولى في التحقيق تحديد متى وأين وقع إطلاق النار، كمفتاح لفهم سياق الواقعة وهوية ضحاياها. بدأ التحقيق بالمادة المصوّرة نفسها، فقُسِّمت اللقطات إلى إطارات مفتاحية، وجرى البحث فيها عن أي علامات بصرية يمكن أن تشير إلى موقع معروف. على طول مسار السيارة، تظهر لافتتان لمحلي OMT متتاليين، تليهما محطة وقود ومبانٍ يمكن التعرّف عليها. هذه العلامات شكّلت مفتاحًا لمطابقة الفيديو مع الواقع، عبر صور الأقمار الصناعية المتاحة على Google Earth، ليتبيّن أن المسار وفقًا للمعالم المحددة كان من الجنوب طلوعًا نحو الغرب عبر الطريق الرئيس الذي يشقّ الأحياء السكنية في بلدة عيترون الحدودية، والذي يعطي مؤشرًا أن العربة قدمت من الطريق الممتدة من شمال شرقي البلدة.
تطابقت تلك المعالم الظاهرة مع فيديوهين نشرتهما صفحة عيترون على فيسبوك، نُشر الأول بحسب البيانات الوصفية وبيانات النشر يوم 28 تشرين الثاني 2024، أي بعد يوم من إعلان سريان وقف إطلاق النار، بينما نُشر الآخر في تشرين الثاني 2025.
تتوقّف السيارة عند نهاية صفّ الأشجار على يسار الطريق، وبعدها مباشرةً تمتد مساحة مفتوحة صغيرة تتّسع لآليتَين عسكريّتَين وصولًا إلى المبنى المقابل الذي يخرج منه الجندي الثاني. أمّا على يمين الطريق فيظهر حقلٌ صغير ثم مبنى أصفر بطابقين بشرفاتٍ مقنطرة، وبينه وبين الكاميرا سروة كبيرة؛ من تحت السروة يتقدّم الجندي الأول إلى منتصف الشارع، ويخرج الآخر من مبنى في الجهة المقابلة، فيتقدّمان معًا نحو محور الطريق قبل إطلاق النار.
باجتماع هذه العناصر ومطابقتها مع فيديوهات صفحة عيترون، تبيّن أنّ الموقع يطابق بدقة النقطة الواقعة عند الإحداثيات 33.117078, 35.465112 على الطريق العام الغربي لعيترون. يُظهر هذا التحديد أنّ السيارة كانت داخل النسيج السكني للبلدة.
التثبيت الزمني
أمّا من ناحية التوقيت، فقد نُشر أول فيديو للحادثة على منصات التواصل عند الساعة 15:26 بتوقيت بيروت بعد ظهر الإثنين 27 كانون الثاني 2025. هذا توقيت النشر نفسه، وليس وقت تصوير الفيديو الفعلي. السؤال الحقيقي كان: متى صُوِّر الفيديو بالفعل؟
ذكر حساب eye.on.llebanon وحساب منصة عيترون الإعلامية أيضًا أن الحادثة وقعت "بالأمس"، أي يوم 26 كانون الثاني.
شكّك ذلك في إحتمالية وقوع الحادثة يوم نشر الفيديو، أي في 27 كانون الثاني، وأكّد ذلك أن عيترون كانت مغلقة بالكامل في 27 كانون الثاني، وفق توثيق "المفكّرة القانونية"، مع إقامة سواتر ترابية على المداخل ومنع دخول الأهالي، ما يجعل تصوير الفيديو مستبعدًا عمليًا في ذلك اليوم.
تدعم البيانات الرسمية هذا الترجيح فقد أصدرت وزارة الصحة اللبنانية في 26 كانون الثاني عدة تحديثات تضمنت أسماء شهداء عيترون ضمن حصيلة اليوم. لم تُسجَّل أي وفيات جديدة في البلدة حتى 27 كانون الثاني، ما يجعل يوم 26 كانون الثاني اليوم الوحيد الذي سُجِل فيه شهداء خلال تلك الفترة، ما يرجّح أن يكون يوم الحادثة هو 26 كانون الثاني 2025.
أيضًا بالعودة للفيديو الذي يوثّق الحادثة، نلاحظ الغيوم ظاهرةً في سماء البلدة مع إضاءةٍ خفيفة للشمس، مما يدل على وجود ظل خفيف أسفل الآليات الإسرائيلية. قمنا بالبحث في أرشيف الطقس يوم 26 كانون الثاني 2025 عبر أداة WorldWeatherOnline، فاتضح أن البيانات في ذلك التوقيت بين 12:00 و15:00 بتوقيت لبنان تطابق ما يظهر في الفيديو.
مع تحديد هوية الشهيد موسى علويّة، توجّهنا إلى أسرته، حيث أكّدت الزوجة أن الحادثة وقعت مع زوجها، الذي كان برفقته أبناؤه الثلاثة (طفل وشقيقتان) في المقعد الخلفي، وقريبه على المقعد الأمامي الأيمن. وقد زوِّدت الأسرة ببيانات طبية تؤكد استشهاد الزوج وإصابة القريب والابن الأصغر برصاص مباشر.
وقد أرّخت البيانات الطبية الصادرة عن مستشفى في بنت جبيل المجاورة لعيترون بتاريخ 26 كانون الثاني، فيما أظهر الملف الأصليّ للفيديو بحوزة العائلة، بعد استخراج البيانات الوصفية (الميتاداتا)، أن توقيت التصوير كان الساعة 15:13 بعد الظهر بتوقيت بيروت، يوم الأحد، 26 كانون الثاني 2025.
البيانات الطبية والتطابق البصري:
تتقاطع هذه الأدلة البصرية والميدانية والرقمية، والشهادات المباشرة لتثبّت أن واقعة إطلاق النار وقعت عصر الأحد 26 كانون الثاني 2025، داخل النسيج السكني لبلدة عيترون، في منطقة محتلّة من قِبل القوات الإسرائيلية، وأسفرت عن استشهاد السائق موسى حسن علوية أمام أطفاله وقريبه، فيما أصيب القريب وأحد الأطفال بجروح.
ماذا يعني هذا؟
سياق الحركة المدنية يوم الحادثة
تشير المعلومات المتداولة والمنشورة في 25 و26 كانون الثاني إلى أن عيترون كانت إحدى الوجهات الأساسية للعودة إلى القرى الحدودية، مع تحديد نقاط تجمع رئيسية، بعد انتهاء مهلة الانسحاب الإسرائيلي المحددة في إعلان وقف الأعمال العدائية. ليلة 25–26 كانون الثاني، نشرت حسابات محلية دعوات واضحة لأهالي عيترون للتجمّع عند الساعة 09:00 صباحًا تحت شعار "العودة كعوائل وأُسر للقرى".
التقارير الإخبارية والصور ومقاطع الفيديو المنشورة صباح 26 كانون الثاني توثّق تحرك العائلات على الطرقات بملابس مدنية، مع رفع أعلام ووجود عربات للجيش اللبناني تواكب المدنيين. مراجعة المصادر العسكرية، الصحفية، وتقارير اليونيفيل تُظهر عدم تسجيل أي نشاط مسلح لحزب الله في المنطقة، وتؤكد أن المسيرات في 26 كانون الثاني كانت حركة مدنية منظمة، علنية، ومتوقعة مسبقًا.
بموجب إعلان وقف الأعمال العدائية الصادر في 27 تشرين الثاني، كان من المفترض أن يكتمل انسحاب القوات الإسرائيلية خلال 60 يومًا، أي بحلول منتصف ليل 25–26 كانون الثاني، من دون تمديد رسمي للمهلة بعد ذلك. هذا الوضع جعل يوم 26 كانون الثاني يومًا مفتوحًا للعودة المدنية، مقابل إغلاق عسكري كامل يوم 27 كانون الثاني، حيث تحوّلت التحركات إلى اعتصامات أمام السواتر والمداخل العسكرية.
استنادًا إلى هذه المعطيات القابلة للتحقق من المصادر المفتوحة، يتضح أن حادثة إطلاق النار التي وقعت عصر 26 كانون الثاني لم تحدث في ظرف قتالي، بل خلال حدثٍ مدنيّ مُعلنٍ مسبقًا تمّت مواجهته بقمعٍ. لم يكن الجنود الإسرائيليون أمام تهديد مفاجئ، بل أمام مشهد متوقع لعائلات تعود إلى بيوتها في اليوم المحدد لانتهاء المهلة.
وبالتالي، كان موسى حسن علويّة وعائلته جزءًا من حركة مدنية شعبية مُعلنة للعودة إلى منازلهم، سلكوا الطريق العام بشكل علني، ولم يكونوا طرفًا مسلحًا أو متخفياً، ما يجعل استهدافهم الفُجائي مؤشرًا واضحًا على الطبيعة المدنية للحدث. ويُشكّل 26 كانون الثاني يوم عبور مدني معلن ومنسق على المستوى الأهالي، ويسهم تثبيت زمن ومكان الحادثة في تعزيز الإطار القانوني لتقييم إطلاق النار لاحقًا كاستهدافٍ محتملٍ لمدنيين.
تحليل لحظة إطلاق النار
يمتدّ المقطع المصوّر في نسخته الأطول المتداولة لـ 01:13 دقيقة. حتى [00:45]، تسير السيارة بهدوء على الطريق العام الغربي في عيترون، من دون أي مؤشرات بصرية على وجود عسكري ظاهر أمامها. الصوت الأقرب إلى الكاميرا كان صوت الطفل الجريح، ما رجّح أنه هو المصوّر.
وحتى لحظة ظهور العناصر العسكرية، لم تكن أي آليات أو جنود مرئية في خط النظر. يظهر تحليل الفيديو وربطه بالخريطة على Google Earth أن صفّ الأشجار على يسار الطريق كان ليحجب الموقع الذي تصطفّ فيه الآليات الإسرائيلية. كان الجندي الأول مموّهًا تحت ظل شجرة سرو على يمين الطريق، بينما كان الثاني داخل مبنى معتم على اليسار. هذا التموضع يتيح لهما رؤية السيارة قبل أن تكون السيارة قادرة على رؤيتهما.
عند نهاية صف الأشجار، وعند الثانية [00:48] تحديدًا، يتوقف تقدم السيارة فور ظهور الآليات والجنديين في خطّ النظر. لا يظهر في الفيديو أي محاولة للالتفاف أو الاقتحام، بل توقف مباشر بمجرد ظهور العناصر العسكرية. عقب لحظات قصيرة، يدخل الهاتف إلى داخل المقصورة ويُرى السائق وهو يغيّر ناقل السرعة، ثم عند [00:51] تبدأ السيارة بالرجوع. هذا التزامن بين (1) ظهور الجنود، (2) وتوقف السيارة (3) ورجوعها، يوثّق نمط حركة تراجعية فورية، ويظهر في الفيديو كاستجابة مباشرة لوجود عناصر مسلّحة أمام المركبة.
من [00:51] حتى [01:13]، يُسمع في الفيديو وابلٌ من الرصاص يتخطّى 25 طلقة خلال أقل من 25 ثانية. الأصوات واتجاهات ردود الفعل داخل المقصورة يقدّمان مؤشرات مهمة. القريب على المقعد الأمامي يحتمي بيديه بعد أن أدار وجهه نحو اليمين. الأطفال يصرخون "وَطّي بابا"، بصوت موجّه إلى الأمام تحديدًا. لا تظهر في الفيديو أي مؤشرات صوتية أو حركية عادةً ما ترافق إصابة الإطارات.
هذه العناصر، إلى جانب ثبات حركة التراجع وغياب اهتزازات أو تغيّر في عزم المحرك، تؤشّر إلى أن الرصاص كان موجّهًا نحو المقصورة الأمامية، لا نحو تعطيل حركة المركبة أو إطلاق نار تحذيري في الهواء. فلو أصابت الطلقات العجلات أو المقدّمة السفلية، لظهر تغيّر واضح في صوت الاحتكاك أو اهتزاز غير منتظم في حركة الرجوع، وهو ما لا يظهر في أي لحظة من المقطع.
البيانات الطبية والتطابق البصري:
البيانات الطبية الصادرة عن مستشفى في بنت جبيل تقدّم مؤشرات تتوافق مع ما سجّله الفيديو: (1) الشهيد موسى حسن علويّة أُصيب برصاصة في الجانب الأيسر من الرقبة عند الشريان، إصابة تتطابق مع دخول رصاص من الأمام خلال حالة استدارة موثّقة في الفيديو أثناء الرجوع. (2) القريب أصيب بعيار ناري اخترق خده من اليسار إلى اليمين، ما ينسجم مع احتمائه ووجهه موجّه نحو اليمين في المقطع. (3) الطفل المصوِّر تعرّض لإصابة في الكتف، وهو ما يتوافق مع اتجاه الرمايات نحو الجزء الأمامي العلوي من المقصورة.
بقياس المواقع على الخريطة، كانت السيارة تقريبًا عند إحداثية 33.117089, 35.465076، والجنديان عند إحداثية 33.117129, 35.464990، أي على بعد يناهز 12 مترًا. في هذه المسافة القصيرة، ومع نوافذ السيارة المفتوحة كما يظهر بوضوح في المقطع، يجب أن يكون بالإمكان تمييز الركّاب بصريًا وسماع أصواتهم بوضوح. وهذا يعني أن الجنديين كانا قادرين على إدراك أن داخل السيارة أطفالًا ومدنيين غير مسلحين، خصوصًا أن الطفل كان جزئيًا على الأقل خارج النافذة لحظة الوصول.
اختبار الفرضيّات: ما الذي جرى فعليًا؟
بعد تثبيت الزمان والمكان وهويّة الضحايا وتحليل المشاهد، ينتقل التحقيق إلى اختبار الفرضيات المتاحة لتفسير إطلاق النار، وفق منهجيّة الأدلة المفتوحة. طُرحت خمس فرضيات وتم تقييم كلّ منها استنادًا إلى المعطيات الميدانيّة والصوتيّة والبصريّة والزمنيّة:
1. الفرضيّة الأولى: اشتباهٌ أمنيٌ أو تهديدٌ محتمل
قد يُقال إن الجنود أطلقوا النار ظنًا أنّ السيارة تشكّل خطرًا أمنيًا. لكن المعطيات تُفنّد هذا الزعم بوضوح. السيارة توقّفت فور رؤية الجنود ولم تتقدّم إطلاقًا بل بدأت التراجع خلال ثانيتين. المسافة القصيرة بين الطرفين تسمح بتمييز الركاب وسماع أصوات الأطفال من النوافذ المفتوحة. لا يظهر أي سلوك تهديدي من السيارة. لا يُسمع أي تحذير أو أمر توقّف قبل إطلاق النار. قرار إطلاق النار لم يكن استجابةً لخطرٍ حقيقي بل تصرّف هجومي في مواجهة هدفٍ يمكن تمييز طبيعته المدنية بوضوح.
2. الفرضيّة الثانية: خطأٌ في التقدير أو ارتباكٌ ميداني
احتمال آخر هو أن إطلاق النار قد نتج عن ارتباك أو خطأ لحظي. غير أن الأدلة الميدانية توضح العكس. عدد الطلقات كان أكثر من 25 طلقة في أقل من 25 ثانية. إطلاق النار استمر مع تراجع السيارة، بما ينفي فكرة "الخطأ السريع" ويؤكّد الاستمرارية المتعمّدة في إطلاق النار.
3. الفرضيّة الثالثة: اشتباكٌ مسلّحٌ متبادل
نشرت قناة إسرائيلية لاحقًا الفيديو عينه مع ادّعاء أنّ الجيش الإسرائيلي "أطلق النار على سيارة تقلّ إرهابيين". الفيديو لا يظهر أي ظروف قتالية. لا توجد طلقات صادرة من داخل السيارة. الصوت الداخلي وسلوك المركبة المدني (توقّف ثم تراجع) يؤكّد عدم وقوع أي اشتباك. كان هناك ثلاثة أطفال داخل المقصورة، ما ينفي فكرة الاشتباك المسلّح.
4. الفرضيّة الرابعة: إطلاق نارٍ تحذيريٍّ أو بقصد تعطيل المركبة
قد يُفترض أنّ إطلاق النار كان تحذيريًا أو بهدف تعطيل المركبة من دون إصابة الركاب. تحليل الفيديو والصوت، بالتوازي مع البيانات الطبية حول الإصابات، يوضِّح أن الرصاص كان موجّهًا مباشرة نحو الركاب. الرصاص استهدف الأجزاء العلوية من الجسد (الرقبة، الكتف، الوجه) بما يحمله من خطرٍ قاتل. لا تظهر أي مؤشرات تحذيرية، ولا محاولات لإيقاف المركبة دون إصابة الأشخاص، ما ينفي طبيعة النار التحذيرية أو التعطيلية.
5. الفرضيّة الخامسة: استهدافٌ متعمّدٌ لمدنيين
الفرضية الأكثر توافقًا مع الأدلة هي أن الهجوم كان متعمّدًا ضد مدنيين غير مسلحين. وقعت الحادثة في يومٍ مدنيٍ بامتياز (26 كانون الثاني)، خلال عودة الأهالي إلى القرى بعد انتهاء مهلة الانسحاب. السيارة كانت داخل حي سكني على الطريق العام. وجود الأطفال في المقصورة، وتوقيت الحادث، وتمركز الجنود داخل الأحياء، يؤكد أن الضحايا كانوا مدنيين. لم يُرصد أيّ خطر أو مقاومة أو سبب عسكري مشروع يبرر استخدام القوة القاتلة.
الاستنتاج النهائي: بعد تقييم جميع الفرضيات، لا يقدّم أي سيناريو عسكري تفسيرًا مشروعًا لإطلاق النار. الأدلة البصرية والصوتية والزمنية والمكانية تؤكّد أن ما حدث هو استهداف متعمّد لسيارة مدنية، ضمن منطقة محتلة مؤقتًا، ومن دون أي تهديد مقابل. وبناءً عليه، تُعتبر الحادثة هجومًا مباشرًا على مدنيين تمّ توثيقه بالصوت والصورة.
"رواية العائلة"
بعد استعراض الفرضيات كافة واختبارها على ضوء الأدلة البصرية والصوتية والميدانية، تُشكّل الشهادات المباشرة لأفراد الأسرة طبقة تحقق إضافية. هذه الشهادات تقدّم بعدًا إنسانياً وتؤكد الطبيعة المدنية للواقعة من وجهة نظر من عاشها مباشرة.
في حديثها معنا من منزلهم الحالي، توضح الابنة الكبرى، التي كانت تجلس في المقعد الخلفي خلال الواقعة: "فوجئنا بالجنود". وتؤكد الأم أن زوجها "ما كان ليتوجّه إلى ذلك الحي في عيترون لو علم أن القوات الإسرائيلية تسيطر عليه".
تقول الأم: "ما حصل هو جريمة ضدّ أسرة. استُشهِد فيها أب يحاول حماية أبنائه. لا شيء أهم من حماية الأولاد بالنسبة لأب مثل زوجي".
أشارت الأسرة إلى أن الطريق كان مفتوحًا تمامًا من دون حواجز أو سواتر ترابية حتى لحظة ظهور الجنديّين. تُضيف مراجعة نسخة أطول من التسجيل، تُظهر مسار السيارة منذ دخولها الطريق العام، طبقة إضافية من التأكيد على غياب أي مؤشرات على وجود القوات الإسرائيلية قبل الوصول إلى موقع الحادثة.
"كان همّ والدي أن يحافظ علينا ويبعدنا عن الخطر. حاول الرجوع بالسيّارة قدر الإمكان، وربما نجح في ذلك، لكنه دفع حياته ثمنًا".
وتحدثت الأم عن الصدمة العميقة التي تركها فقدان معيل الأسرة. أشارت إلى الأثر النفسي الكبير على جميع أفراد العائلة، وخصوصًا الابن الأصغر الذي ما زال يتعافى من جرحه، فيما نفسيته لا تزال تتأثر بالحادثة.
بعد إطلاق النار، جرى توقيف أفراد الأسرة في الموقع على يد الجنود الإسرائيليّين. تعرض الأطفال للضرب المبرح، و اخضعوا للتحقيق، بحسب شهادة الأم والابنة الكبرى. ثم أُجبر الجميع على السير من عيترون إلى مستشفى في بنت جبيل، بمن فيهم الطفل الجريح. يعكس ذلك استمرار السيطرة العسكرية على محيط المكان بعد الواقعة. يبيّن هذا حجم التجاوزات والانتهاكات التي ظلّ يشهدها مسرح الجريمة، ولا سيّما ضد الأطفال الذين فقدوا والدهم أمام أعينهم قبل دقائق فقط.
تبريرٌ مسبَق
لكنّ الواقعة وما تبعها، سبقها ما صدر ظهر يوم الأحد 26 كانون الثاني 2025 على لسان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي من بيان جاء فيه:
"في وقت سابق اليوم قامت قوات جيش الدفاع التي تعمل في منطقة جنوب لبنان بإطلاق النار بهدف إبعاد وإزالة تهديدات في عدة مناطق، تم رصد مشتبه فيهم يقترب منها. كما تم اعتقال عدد من المشتبه فيهم في المنطقة بعد أن تحركوا بالقرب من القوات وشكلوا تهديدًا حقيقيًا، حيث يتم التحقيق معهم في هذه الأثناء في الميدان. ينتشر جيش الدفاع في جنوب لبنان ويواصل العمل وفق التفاهمات بين إسرائيل ولبنان، ويراقب محاولات حزب الله العودة إلى منطقة جنوب لبنان. سيعمل جيش الدفاع لإزالة أي تهديد على دولة إسرائيل وقوات جيش الدفاع."
صدر البيان عند الساعة 13:08 بتوقيت بيروت، أي قبل حادثة إطلاق النار في عيترون التي وقعت عند الساعة 15:13 بنحو ساعتين. تزامن ذلك مع تصاعد هجمات الجيش الإسرائيلي على المدنيين المشاركين في مسيرات العودة في قرى الجنوب.
البيان لا يشير إلى أي اشتباك مسلّح محدد أو أهداف عسكرية. استخدم مصطلحات عامة مثل "مشتبه فيهم"، و"إطلاق نار لإبعاد تهديدات". هذا يوحي باستخدام القوة ضد مدنيين غير مسلحين في ظروف غير قتالية. إن صدور البيان قبل الحادثة يجعل منه موقفًا سياسيًا مسبقًا يغطي جميع حوادث إطلاق النار في ذلك اليوم. يقدّم لغة جاهزة لتبرير أي إطلاق نار على المدنيين دون ذكر أي معايير واضحة للاشتباك.
من منظور التحليل القانوني، يشكّل هذا البيان قرينة على وجود سياسة ميدانية تسمح بإطلاق النار على أي تحرّك مدني في القرى الجنوبية تحت ذريعة "إزالة التهديد". إنّ إشارته إلى "العمل وفق التفاهمات بين إسرائيل ولبنان" في وقت تُسجّل فيه عشرات الإصابات المدنية تُظهر تناقضًا جوهريًا بين الادعاء والواقع. هذا ينتهك أساسيات إعلان وقف الأعمال العدائية الذي يهدف إلى حماية المدنيين وإعادة السكان إلى قراهم.
عند مطابقة توقيت البيان مع حادثة موسى حسن علويّة، يتبيّن أن الحادثة تندرج ضمن النمط الذي يصفه البيان نفسه. مدنيون يعودون إلى قراهم بعد انتهاء المهلة العسكرية. الجنود يرصدونهم داخل مناطق سكنية، ثم يطلق النار عليهم بذريعة "إزالة تهديد". الفحص الميداني والفيديو يثبتان أنّ هؤلاء لم يشكّلوا أي تهديد فعلي. البيان استخدم لغة تبريرية شاملة لتغطية جرائم استهداف المدنيين التي وقعت في ذلك اليوم.
التوصيف القانوني: ما الذي يقوله القانون الدولي؟
تحليل الأدلة الميدانية والمرئية يُظهر أن حادثة مقتل موسى حسن علويّة جرت في منطقةٍ مدنيةٍ مأهولة، بعد وقف الأعمال العدائية، ومن دون وجود أيّ اشتباكٍ مسلح أو خطرٍ مباشر على القوات الإسرائيلية. هذا الإطار الواقعي كافٍ لوضع الحادثة تحت أحكام القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949.
1. مبدأ التمييز (Principle of Distinction)
الفيديو يُظهر بوضوح أن السيارة كانت تقلّ مدنيين، بينهم أطفال، وأنّها كانت غير مسلّحة. لم يصدر عنها أيّ فعلٍ عدائي. إن إطلاق النار على هذا الهدف لا يلبّي أيّ شرط من شروط التمييز، بل يشكّل انتهاكًا صريحًا لهذا المبدأ الأساسي.
2. مبدأ التناسب (Principle of Proportionality)
في هذه الحالة، لا وجود لأيّ ميزة عسكرية متوخاة أصلًا. لا تبادل نار، ولا موقع مقاوم، ولا تهديد على الجنود. إنّ قتل السائق أمام أطفاله في شارعٍ مدني يندرج في نطاق الانتهاك الجسيم لمبدأ التناسب. يتجاوز هذا الأمر إلى استخدام القوة القاتلة من دون أي ضرورة عسكرية.
3. مبدأ الاحتياط (Precaution)
في هذا التسجيل، لا يُسمع أيّ تحذير صوتي، ولا طلقات في الهواء، ولا حتى إشارة توقف مرئية قبل فتح النار. القوات الإسرائيلية لم تتخذ أي احتياطٍ واجب قبل استخدام السلاح. هذا يعزّز الطابع المتعمّد للفعل.
4. الوضع القانوني للمكان
وقعت الحادثة داخل بلدةٍ خاضعة لاحتلالٍ مؤقّت فعلي. إطلاق النار على مدنيّ داخل منطقة تحت السيطرة العسكرية يشكّل انتهاكًا مباشرًا لواجب الحماية المفروض على القوة المحتلّة.
5. التصنيف القانوني النهائي
يُعتبر القتل العمد لمدنيين غير مشتركين في الأعمال العدائية جريمة حرب. توافر عناصرها في هذه الواقعة واضح. الضحايا مدنيون يمكن تمييزهم بوضوح. الجناة أفراد من قوة عسكرية نظامية. الفعل وقع في سياق نزاع مسلّح دولي. لم يكن هناك مبرّر عسكري مشروع. وبالتالي، فإن ما وثّقه الفيديو في عيترون يوم 26 كانون الثاني 2025 يُصنف قانونيًا كجريمة حرب وفق القانون الدولي الإنساني.
خلاصة
ما بين مقطع متداول على وسائل التواصل الاجتماعيّ، وبيان عسكري، تتكثّف حادثة استهداف متعمد. سيارةٌ مدنية تتوقّف أمام جنودٍ نظاميين، تتراجع ببطء، يُسمع صراخ أطفالها، ثم تنهال النيران. رصاصٌ يملأ الفراغ بين قوة محتلة وجسد أعزل، ويغيّر حياة أسرة إلى الأبد.
يوثّق هذا التحقيق، بأدلته المفتوحة الزمانيّة والمكانيّة، وبالمطابقة البصرية والسمعية، وبشهادات رسمية ومدنية، أنّ مقتل موسى حسن علويّة لم يكن حادثًا عابرًا ولا "خطأً ميدانيًا"، بل حلقةً في نمطٍ أوسع من استهداف المدنيين العائدين إلى قراهم تحت غطاء خطاب "إزالة التهديدات".