تحقيق مفتوح المصدر

القصف الإسرائيلي ومشفى صلاح غندور.. عندما تكون المستشفيات أهدافًا

منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهد لبنان تصعيدًا خطيرًا في الأحداث السياسية والعسكرية، حيث تزامن تصاعد التوترات السياسية مع اشتداد المواجهات العسكرية.

زهرة القدسي نُشر في 14 تشرين الأول/أكتوبر 2025

المقدمة

منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهد لبنان تصعيدًا خطيرًا في الأحداث السياسية والعسكرية، حيث تزامن تصاعد التوترات السياسية مع اشتداد المواجهات العسكرية، بدءًا بهجمات شنّها حزب الله اللبناني على إسرائيل، وردّ الجيش الإسرائيلي بهجمات جوية وأعمال اجتياح بري طالت مناطق في جنوب لبنان. وانتهت هذه الجولة من التصعيد باتفاق لوقف إطلاق النار جرت مباحثات لتمديده أخيرًا في 27 يناير/كانون الثاني 2025. ومع ذلك، لم يلتزم أي من الطرفين باتفاق وقف إطلاق النار، إذ تُسجّل خروقات مستمرة وهجمات متبادلة بين قوات حزب الله والجيش الإسرائيلي حتى لحظة كتابة هذا التحقيق.

أدت الهجمات الإسرائيلية الأخيرة إلى تدمير واسع للبنية التحتية اللبنانية، أثّرت بشكل كبير في القطاع الصحي. وخلال الفترة الممتدة بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و7 فبراير/شباط 2025، وثّق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية 161 هجومًا على مرافق صحية في لبنان، ما أسفر عن مقتل 241 عاملًا صحيًا وإصابة 296 آخرين. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن نحو نصف هذه الهجمات أودت بحياة عامل صحي واحد على الأقل، وهي أعلى نسبة مسجّلة في أي صراع مسلح في العالم خلال تلك الفترة.

من بين 68 هجومًا إسرائيليًا استهدف مستشفيات في لبنان، وقعت معظمها في جنوب وغرب البلاد إضافة إلى العاصمة بيروت. وقد أدّت هذه الهجمات إلى إغلاق ثمانية مستشفيات قسرًا، بحسب بيانات وزارة الصحة اللبنانية. وكانت مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان الأكثر تضررًا، وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث تضرّر نصف مرافقها الصحية، وتدمّرت ثلاثة منها، إضافة إلى تدمير ثلاث منشآت صحية أخرى في محافظة النبطية. ومن بين المستشفيات المدمرة، مستشفى صلاح غندور الواقع عند مدخل بنت جبيل، الذي تعرّض للقصف مرتين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

يهدف هذا التحقيق إلى تحليل الهجومين اللذين استهدفا المستشفى، دعمًا لجهود تحقيق العدالة، وتأكيدًا على ضرورة حماية المنشآت الطبية بموجب القانون الدولي.

خريطة توضح الهجمات ضد المستشفيات في لبنان منذ التوغل للجيش الاسرائيلي.

عن المستشفى

يُعدّ المستشفى الخاص الوحيد الذي يقدّم خدمات صحية في هذه المنطقة الحدودية.


يقع مستشفى صلاح غندور عند مدخل مدينة بنت جبيل، تحديدًا عند دوّار "صف الهوى" في جنوب لبنان، ضمن نطاق جغرافي يُعد حساسًا من الناحية الاستراتيجية، بسبب قربه من الحدود الدولية الجنوبية مع إسرائيل. ووفقًا لبيانات خرائط الشارع المفتوحة، يتبع المستشفى إداريًا لقرية عيناتا في قضاء بنت جبيل، ضمن محافظة النبطية. ويُعدّ المستشفى الخاص الوحيد الذي يقدّم خدمات صحية في هذه المنطقة الحدودية.

يقدّم مستشفى صلاح غندور خدماته لسكان قضاء بنت جبيل، الذين يُقدّر عددهم، وفقًا لبيانات موقع البلدية، بأكثر من 58 ألف نسمة، أي ما يُعادل نحو 1.3٪ من إجمالي سكان لبنان. يُعدّ قضاء بنت جبيل واحدًا من أربعة أقضية ضمن محافظة النبطية، ويمتد على مساحة تُقدّر بـ260 كيلومترًا مربعًا.

يتبع المستشفى إداريًا للهيئة الصحية الإسلامية، وهي جهة تُعد جزءًا من البنية التحتية المدنية والاجتماعية المرتبطة بحزب الله في لبنان. تتولى الهيئة إدارة وتشغيل المستشفى منذ انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000، بعد أن كان خاضعًا لما يُعرف بـ "الإدارة المدنية".

يضم المستشفى أقسامًا طبية أساسية، مثل المختبر والطوارئ والعناية المركزة وقسم الأشعة وغيرها. وكشفت خطط التوسعة التي أُعلنت في عام 2022 عن بناء مبنى جديد مكون من أربعة طوابق، تبلغ مساحة كل طابق ألف متر مربع. ومن خلال هذه التوسعة، افتتحت أقسام إضافية بهدف زيادة الطاقة التشغيلية للمستشفى.

مستشفى صلاح غندور على الخريطة
لقطة شاشة من خرائط الشارع المفتوحة، تظهر موقع مستشفى صلاح غندور بالقرب من دوار صف الهوى.

ماذا حدث؟ "الهجوم الأول"

في 27 مايو/أيار 2024، أفاد مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بوقوع غارة جوية استهدفت دراجة نارية بالقرب من مستشفى صلاح غندور في مدينة بنت جبيل. أسفر الهجوم عن إلحاق أضرار في واجهة المستشفى وبعض الغرف المطلة، بالإضافة إلى مقتل أحد حراس الأمن عند بوابة المستشفى.

لقطة شاشة من حساب النهار
لقطة شاشة من حساب النهار على منصة إكس، يذكر بوقوع غارة جوية استهدفت دراجة نارية بالقرب من مستشفى صلاح غندور في مدينة بنت جبيل.

عند العودة إلى المحتوى المنشور لتحديد الطابع الزمني للهجوم، تبيّن أن الجيش الإسرائيلي نشر على موقعه الرسمي مقطع فيديو يدّعي أنه يوثق استهداف طائرة لأحد "الإرهابيين" في منطقة عيناتا، جنوبي لبنان. نُشر البلاغ في الساعة 11:30 صباحًا، ما يشير إلى أن الهجوم وقع خلال ساعات الصباح. ويُظهر الفيديو موقعًا يطابق مستشفى صلاح غندور وفق صور الأقمار الصناعية، التي سيجري تحليلها لاحقًا.

فيديو الجيش الإسرائيلي
لقطة شاشة من موقع الجيش الإسرائيلي، مرفق فيديو يدعي أنه يوثق استهداف طائرة لأحد "الإرهابيين" في منطقة عيناتا، جنوبي لبنان. التوقيت 11:30 صباحًا.

قادنا البحث عبر منصة إكس إلى أول بلاغ، نُشر عند الساعة 9:58 صباحًا بتوقيت لبنان، في حساب يُدعى @BassemDhyani، زعم أن الهجوم استهدف مدخل مستشفى صلاح غندور.

أول بلاغ عن الهجوم
لقطة شاشة من منشور لحساب @BassemDhyani، يذكر أن الهجوم استهدف مدخل مستشفى صلاح غندور. أسفل الطابع الزمني للمنشور عبر أداة TweetedAt يظهر التوقيت 27 مايو 2024 الساعة 09:58:14.

تداولت عدة حسابات، من بينها حساب Lebanonsnews، مقطع فيديو من داخل مستشفى صلاح غندور عقب الهجوم، يُظهر تصاعد الدخان مع وضوح بوابة المستشفى، وغرفة الحراسة، والأشجار المحيطة. ويمكن ملاحظة أن الفيديو صُوّر في وضح النهار. كما نشرت وكالة تسنيم للأنباء صورتين تُظهران تصاعد الدخان، إلى جانب صورة نشرتها قناة المنار، تداولت على نطاق واسع، وجميع الصور أبرزت الظلال بوضوح من حيث الطول والاتجاه.

أجرت نوى ميديا تحليلًا لأحد هذه المقاطع عبر مقارنة طول الظل بالجسم المُسقِط له، لتقدير وقت التصوير استنادًا إلى زاوية واتجاه الظلال. فأظهرت النتائج أن الفيديو صُوّر على الأرجح عند الساعة 10:02 صباحًا.

تحليل الظلال
مطابقة، صور تظهر اتجاه وحجم الظل بعد الهجوم. الصور مأخوذة من وكالة تسنيم للأنباء، و Lebanonsnews.
تحليل الظلال 2
مطابقة لاتجاه وطول الظل في لقطة من فيديو Lebanonsnews مع البيانات المتوفرة على أداة suncalc.

استنادًا إلى نطاق الوقت المقدر، يمكن افتراض أن الضربة وقعت في وقت مبكر من الصباح، بين أول بلاغ سُجّل عند الساعة 9:58 صباحًا، والتوقيت المستنتج من تحليل الظلال في الفيديو، والذي يُقدّر بنحو الساعة 10:02 صباحًا بتوقيت لبنان.


الموقع الجغرافي للهجوم

بالعودة إلى المحتوى البصري المنشور حول الحادثة، أظهر فيديو نشرته جريدة الأخبار، وآخر بثّته قناة المنار، أن الهجوم نُفّذ عبر ضربتين: الأولى أصابت دراجة نارية عند مدخل المستشفى، والثانية استهدفت سيارة على الطريق المقابل، لكنها لم تُصبها. وقد تمكّنا من التحقق من تفاصيل الهجوم الواردة في المقاطع المنشورة من خلال مطابقة العناصر الظاهرة مع صور الموقع.

موقع الضربة الأولى
مطابقة بصرية تُظهِر موقع الضربة الأولى أمام لافتة المستشفى على الشارع العام. اللقطات مأخوذة من جريدة الأخبار، والميادين لبنان، وقناة المنار.
موقع الضربة الثانية
مطابقة بصرية تُظهِر موقع الضربة الثانية عند مدخل المستشفى، على بعد أمتار من الضربة الأولى. اللقطات مأخوذة من جريدة الأخبار، والميادين لبنان، وقناة المنار.
مدخل المستشفى
مطابقة لمدخل المستشفى تُظهر غرفة الحراسة ولافتة المدخل، وتتطابق مع مشاهد مصوّرة من داخل المستشفى. المصادر: جريدة الأخبار، وقناة المنار، وحسن الدر.
لقطات من فيديو جريدة الأخبار
لقطات من فيديو جريدة الأخبار، والميادين لبنان، تظهر لافتة مستشفى الشهيد صلاح غندور، والمدخل الرئيسي، وموضعي الضربتين، بالإضافة إلى لافتتي العيادات والطوارئ.

بعد المطابقة البصرية للمحتوى المنشور، تمكّنا من تحديد الموقع الجغرافي للهجوم، الذي نُفّذ عبر ضربتين جويتين: استهدفت الضربة الأولى دراجة نارية عند مدخل مستشفى صلاح غندور، الواقع على طريق تبنين – بنت جبيل في قضاء بنت جبيل، جنوب لبنان، عند الإحداثية 33.130648, 35.430183، فيما وقعت الضربة الثانية عند لافتة المستشفى على الشارع نفسه، بالقرب من دوار صف الهوى، عند الإحداثية 33.130828, 35.429988، وتبعد عن موقع الضربة الأولى بنحو 40 مترًا.

مطابقة بصرية للموقع
مطابقة بصرية للموقع باستخدام صور أقمار صناعية، بالاستناد إلى مشاهد من فيديو جريدة الأخبار ومنشور وكالة تسنيم للأنباء.
مطابقة بصرية للجبل
مطابقة بصرية للجبل الظاهر في مشهد من فيديو قناة المنار مع الجبل الظاهر في صور Google Earth Pro.

تمكّنّا أيضًا من التحقق من الموقع الجغرافي عبر مطابقة المعالم الظاهرة في فيديو الجيش الإسرائيلي الذي وثّق الهجوم، مع صور الأقمار الصناعية المتاحة.

تطابق صور الأقمار الصناعية والفيديو
تمت المطابقة بين صور الأقمار الصناعية على خرائط جوجل وفيديو الجيش الإسرائيلي، حيث يمكن ملاحظة تطابق الشجرتين مع شكل سطح المبنى وتقاطع الشوارع المحيطة.

أظهرت لقطات من فيديو بثته قناة المنار آثار الأضرار الناتجة عن الهجوم. ووفق تصريح مدير مستشفى صلاح غندور، محمد سليمان، أسفر الهجوم عن إصابة ثلاثة من أفراد طاقم المستشفى، هم من حرّاس البوابات الخارجية، بالإضافة إلى مدنيين ومراجعين. كما لحقت أضرار بالغرف الخارجية للمستشفى. كذلك تُظهر اللقطات الدراجة النارية المستهدفة محترقة بالكامل، فضلًا عن تحطم زجاج إحدى السيارات الراكنة قرب موقع الهجوم.

آثار الأضرار
مجموعة صور من فيديو قناة المنار تظهر آثار الضربة.

استنادًا إلى الأنباء المتداولة وطبيعة الأضرار الظاهرة، يُرجّح أن الهجوم نُفّذ بواسطة طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفت دراجة نارية عند مدخل مستشفى صلاح غندور، بالقرب من دوار صف الهوى في قضاء بنت جبيل، جنوب لبنان، صباح 27 مايو/أيار 2024. أسفر الهجوم عن أضرار في الغرف الخارجية للمستشفى، وإصابة ثلاثة من العاملين، تُوفي أحدهم لاحقًا متأثرًا بجراحه.


ماذا حدث؟ "الهجوم الثاني"

في سياق تصاعد وتيرة الصراع الإسرائيلي اللبناني، وإعلان إسرائيل بدء عملياتها البرية في جنوب لبنان في 30 سبتمبر/أيلول 2024، تصاعدت الهجمات الإسرائيلية على المنشآت الحيوية، كجزء من تنفيذ استراتيجية تهدف إلى إضعاف قوات حزب الله.

في يوم الجمعة، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2024، تعرّض مستشفى صلاح غندور لهجوم ثانٍ بواسطة قذائف مدفعية، ما أدى إلى إخراجه عن الخدمة. نشرت الصفحة الرسمية للمستشفى عبر منصة فيسبوك بيانًا رسميًا، أكدت فيه تعرض المستشفى للقصف مساءً، عقب تلقيه أمرًا بالإخلاء. وأشار البيان إلى تعرّض تسعة من أفراد الطاقم الطبي لإصابات بليغة جراء الهجوم.

بيان المستشفى الرسمي
منشور على فيسبوك من حساب مستشفى صلاح غندور يذكر تعرض المستشفى للقصف مساءً، عقب تلقيه أمرًا بالإخلاء.

من خلال تحليل المحتوى المنشور حول الحادثة والطابع الزمني، تمكّنا في نوى ميديا من تحديد عدة منشورات تناولت مستشفى صلاح غندور في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2024. أول هذه المنشورات كان من حساب "أخبار الحدود الجنوبية"، الذي نشر في الساعة 11:32 صباحًا بالتوقيت المحلي للبنان خبرًا عن هجوم نفذته طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفت سيارة بالقرب من مستشفى صلاح غندور.

منشور أخبار الحدود الجنوبية
خبر عن هجوم طائرة مسيرة

لقطة شاشة من منشور اخبار الحدود الجنوبية على إكس يذكر هجوم نفذته طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفت سيارة بالقرب من مستشفى صلاح غندور. أسفل تحليل الطابع الزمني للمنشور عبر أداة TweetedAt والذي يشير إلى أكتوبر/تشرين الأول 2024 الساعة 11:32 صباحًا بالتوقيت المحلي للبنان.

رغم تداول عدة حسابات لمزاعم تفيد بخروج أربع مستشفيات عن الخدمة، من ضمنها مستشفى صلاح غندور، في منشورات نُشرت قرابة الساعة 16:11 بالتوقيت المحلي للبنان، لم يُصدر الحساب الرسمي للمستشفى أي تعليق بشأن هذه الادعاءات في ذلك الوقت. لاحقًا، سارعت قناة المنار إلى نفي تلك المزاعم، مؤكدة أن المستشفى لا يزال يعمل.

نفي قناة المنار
صورة من منشور قناة المنار على تيليجرام.

ورد أول بلاغ عن غارة إسرائيلية على منطقة بنت جبيل من حساب "كُن مواطن" على منصة إكس، وذلك عند الساعة 20:13 بتوقيت لبنان. وبعد نحو نصف ساعة، نشر الحساب نفسه بلاغًا آخر يُفيد تعرّض مستشفى صلاح غندور لقصف مدفعي مباشر عند الساعة 20:42.

بلاغ عن غارة إسرائيلية
لقطة شاشة لمنشور كن مواطن على إكس يذكر وقوع غارة على بنت جبيل جنوبي لبنان. اسفل: الطابع الزمني للمنشور عبر أداة TweetedAt.
بلاغ عن قصف مدفعي مباشر
لقطة شاشة لمنشور كن مواطن على إكس يذكر وقوع قصف مدفعي على مستشفى صلاح غندور بشكل مباشر في بنت جبيل. اسفل: الطابع الزمني للمنشور عبر أداة TweetedAt.

وثقت كلٌّ من المفكرة القانونية ومنظمة هيومن رايتس ووتش شهاداتٍ تتعلق بالهجوم على مستشفى صلاح غندور. ووفق شهادة مدير المستشفى، محمد سليمان، وقع القصف حوالي الساعة 8:30 مساءً، حيث "قُصف المستشفى ثلاث مرات. أصابت قذيفة واحدة غرفة المناوبة، وقذيفة أخرى أصابت غرفة انتظار المسعفين، [كلاهما] داخل المستشفى".

أيضًا، تشير الشهادات إلى أن مسؤولًا محليًا في منطقة بنت جبيل تلقّى، عند الساعة السادسة مساءً، اتصالًا هاتفيًا من مسؤول عسكري إسرائيلي يُطلب فيه إجلاء المرضى والمسعفين من مستشفى صلاح غندور خلال مهلة زمنية لا تتجاوز أربع ساعات. وبحسب الشهادات، نُفّذ الهجوم بعد مرور ساعتين ونصف من لحظة تلقي أمر الإخلاء.

في اليوم التالي للهجوم، نشرت وزارة الدفاع الإسرائيلية بيانًا ذكرت فيه أن الهجوم استهدف "مركز قيادة" يقع داخل مسجد مجاور للمستشفى، وأضافت أنه جرى توجيه إشعارات مسبقة للسكان ومحادثات مع جهات محلية قبل تنفيذ الهجوم.

بيان وزارة الدفاع الإسرائيلية
لقطة شاشة لبيان قوات الدفاع الاسرائيلي على إكس، تذكر فيه أن الهجوم استهدف "مركز قيادة" يقع داخل مسجد مجاور للمستشفى.

استنادًا إلى المحتوى المتاح، يمكن تقدير توقيت الهجوم على مستشفى صلاح غندور بين الساعة 18:00، وهي لحظة تلقي تحذيرات الإخلاء، وبين الساعة 20:42، وهو توقيت أول بلاغ نُشر عن استهداف المستشفى عقب غارة على منطقة بنت جبيل.


الموقع الجغرافي للهجوم

من خلال مقارنة المعالم البارزة الظاهرة في المحتوى المنشور على منصات التواصل الاجتماعي، تمكّنا من تحديد الموقع الجغرافي بدقة. وقد برزت مئذنة المسجد المجاور كمعلَم واضح تكرر ظهوره في غالبية المواد البصرية، ما أتاح استخدامها كمرجعية أساسية في عملية المطابقة البصرية.

مئذنة المسجد المجاور
لقطات مأخوذة من فيديو نشره حساب lebanosnews ظهرت فيه المئذنة المجاورة للمستشفى.

في فيديو نشرته منصة "Voice of Lebanon"، برزت دلالة مرجعية جديدة كانت قد ظهرت سابقًا في فيديو قناة المنار خلال الهجوم الأول، وهي لافتة «BBAC» المصطفة مقابل ركام المسجد المجاور لمستشفى صلاح غندور. كما ظهر الدوار الذي يلتقي فيه طريق صف الهوى مع طريق تبنين–بنت جبيل.

لافتة BBAC والدوار
مطابقة بصرية تظهر فيه يافطة بنك BBAC بالاضافة للشجرة المقابلة. أعلى صورة من فيديو قناة المنار، أسفل صورة بانورامية من فيديو Voice of Lebanon.
ركام المسجد المجاور
صورة بانورامية من فيديو Voice of Lebanon، تظهر دوار صف الهوى القريب من مستشفى صلاح غندور.

يمكن ملاحظة مسار الكاميرا التي وثّقت الدمار في فيديو نشرته "Lebanon News"، حيث صوّرت الشارع على خط طريق تبنين–بنت جبيل نزولًا نحو الدوار المقابل للمستشفى، ثم انعطفت باتجاه شارع رميش–بنت جبيل.

مسار الكاميرا
مطابقة بصرية لمسار الكاميرا في فيديو "Lebanon News" مع صور الأقمار الصناعية على خرائط جوجل.

ومن خلال مطابقة المسار البصري الظاهر في الفيديو مع صور الأقمار الصناعية، جرى تحديد موقع الهجوم عند الإحداثية (33.130706, 35.429690)، في محيط المسجد المجاور لمستشفى صلاح غندور على طريق رميش – بنت جبيل في بلدة عيناتا، قضاء بنت جبيل، محافظة النبطية، جنوب لبنان. وللتحقق مما إذا كانت القذائف قد أصابت المستشفى نفسه كما ذكر الشهود، راجعنا صور الأقمار الصناعية الحديثة، والتي أظهرت بالفعل دمارًا واسعًا طال المنطقة، بما في ذلك مبنى المستشفى.

مقارنة صور الأقمار الصناعية
صورة متحركة تُظهر مقارنة بين لقطتين من القمر الصناعي Sentinel-2؛ الأولى التُقطت في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2024، والثانية في 6 من الشهر ذاته.

ولتعزيز دقة التحليل، استندنا إلى صور أقمار صناعية حديثة من خدمة Planet بتاريخ 24 أكتوبر/تشرين الأول 2024. أظهرت هذه الصور تضرر الجزء الشمالي الغربي من مستشفى صلاح غندور، ما يرجح تعرض إحدى الغرف القريبة إلى جهة المسجد المجاور لقصف مباشر. تتسق هذه المعطيات مع شهادة مدير المستشفى، محمد سليمان، التي أدلى بها لـ"هيومن رايتس ووتش"، وأشار فيها إلى أن القصف استهدف المستشفى أولًا قبل استهداف المسجد المجاور.

صورة قابلة للسحب لموقع المستشفى باستخدام صور الأقمار الصناعية. يظهر فيها تضرر الجزء الشمالي الغربي من المستشفى بالإضافة إلى الدمار الكامل للمسجد المجاور.

أظهر مقطع مصور نشرته قناة العربي على يوتيوب الأضرار الداخلية في مستشفى صلاح غندور، بما في ذلك تحطم نوافذ عيادتين طبيتين ودمار سقف أحد الممرات. وبحسب المراسلة، وقع الهجوم على مرحلتين: الأولى عند الساعة الثامنة مساءً، تلتها ضربة فجرية، ما أدى إلى تعطيل عمل المستشفى بالكامل وخروجه عن الخدمة.

أضرار داخلية في المستشفى
صورة بناورامية من فيديو قناة العربي يظهر الأضرار الداخلية في مستشفى صلاح غندور.

الهجمات من وجهة نظر قانونية

يُحدِّد القانون الدولي الإنساني المبادئ التي تنظِّم سير الأعمال العدائية أثناء النزاعات المسلحة، ويمنح حماية خاصة للمرافق الطبية نظرًا لدورها الحيوي في إنقاذ الأرواح. في هذا السياق، وبعد تحليل المواد المتوفرة بشأن الهجومين على مستشفى صلاح غندور، الواقع عند مدخل مدينة بنت جبيل في محافظة النبطية جنوب لبنان، يتبيّن أن المستشفى تعرض لهجوم مباشر من الجيش الإسرائيلي مرتين.

وقع الهجوم الأول في 27 مايو/أيار 2024، استهدف بوابة مستشفى صلاح غندور، ما أدى إلى مقتل أحد أفراد الطاقم، وإصابة عشرة آخرين، إضافة إلى أضرار لحقت بعدد من غرف المبنى. أما الهجوم الثاني، فوقع في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2024، وأسفر عن إصابة تسعة من الكوادر الطبية، وإغلاق المستشفى مؤقتًا. كما لحقت أضرار بسقف المبنى، وغرفة استراحة الطاقم، والفناء الرئيسي. كذلك أظهرت صور أقمار صناعية حديثة حجم هذه الأضرار بوضوح.

تشير التقارير إلى أن تحذيرًا بالإخلاء صدر قبل نحو ساعتين ونصف من هجوم 4 أكتوبر/تشرين الأول 2024، في حين ذكرت تقارير أخرى أن المهلة كانت أربع ساعات. وأشار التحذير إلى وجود "أنشطة غير طبية" تجري داخل المستشفى. وأكّد مدير المستشفى أنه تلقّى التحذير قرابة الساعة السادسة مساءً، بينما وقع الهجوم عند الساعة الثامنة والنصف مساءً.

التقييم القانوني

بناءً على المعلومات المتوفرة، يبدو أن المستشفى كان مكرّسًا لتقديم الرعاية الطبية، ما يجعله مؤهلًا كمرفق طبي مدني بموجب المادة 18 من اتفاقية جنيف الرابعة، ووحدة طبية مدنية وفق المادة 12 من البروتوكول الإضافي الأول. كما أن وجود جرحى ومرضى داخل المستشفى يعزِّز وضعه القانوني كمرفق محمي.

فيما يتعلق بالادعاءات الإسرائيلية حول وجود "أنشطة غير طبية" داخل المستشفى، أو مركز قيادة مزعوم لحزب الله في مسجد مجاور، فقد ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن الجيش الإسرائيلي "لم يقدم أدلة علنية على استخدام المستشفى أو المسجد لارتكاب أعمال عدائية".

حتى إذا اقتصر الادعاء على وجود مركز قيادة في المسجد المجاور، فإن القانون الدولي الإنساني يفرض الالتزام الصارم بمبادئ التمييز ( أي حصر الاستهداف في الهدف العسكري دون المساس بالأعيان المدنية)، والتناسب (ضمان ألا يكون الضرر العرضي المتوقع على المستشفى والمرضى والطاقم الطبي مفرطًا مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة من تدمير مركز القيادة)، واتخاذ كافة الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار غير المقصودة، بما في ذلك توقيت الهجوم، ونوع السلاح، وتوجيه تحذير فعّال.

وعند تقييم ما إذا كان التحذير الصادر كافيًا ومعقولاً قبل الهجوم، كما تشترطه المادة 19 من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة 13 من البروتوكول الإضافي الأول، يمكن اعتبار الإطار الزمني البالغ ساعتين ونصف غير كافٍ للإخلاء الكامل، خاصة للمرضى ذوي الحالات الحرجة. وتنص المادة 19 من اتفاقية جنيف الرابعة على أن حماية المستشفيات المدنية لا تسقط إلا إذا استُخدمت في ارتكاب "أعمال ضارة بالعدو"، وبعد توجيه إنذار واضح يتضمن مهلة زمنية معقولة لم يُستجب لها. الادعاء بوجود "أنشطة غير طبية" قد يُستخدم كمبرر لاستهداف المستشفى بناءً على هذا الأساس، رغم أن عبء الإثبات يقع على عاتق الطرف المهاجم.

يكفل القانون الدولي الإنساني الحماية للعاملين في القطاع الطبي والمرافق الصحية. وتوضح اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن أفراد الجماعات المسلحة الذين يقتصر دورهم على مهام غير قتالية، أو الذين ينتسبون إلى كيانات سياسية ذات أجنحة عسكرية كحزب الله، يتمتعون بالحماية ما لم يشاركوا بشكل مباشر في الأعمال العدائية. ويشمل ذلك العاملين الطبيين التابعين لحزب الله، بمن فيهم عناصر الدفاع المدني الذين يؤدون مهامًا طبية وإنسانية حصرًا.

يشير تحليل استهداف مستشفى صلاح غندور إلى وجود مخاوف جديّة بشأن مدى توافق الهجوم مع قواعد القانون الدولي الإنساني، ما يثير احتمال ارتكاب انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب. ويُعد النمط المتكرر للاتهامات الإسرائيلية باستخدام البنية التحتية المدنية دون تقديم أدلة كافية وموثوقة، مصدر قلق بالغ، إذ يمكن أن يُستخدم كذريعة لاستهداف أعيان محمية بموجب القانون الدولي الإنساني.