"يُحظر مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، مثل المواد الغذائية، والمناطق الزراعية لإنتاج المواد الغذائية، والمحاصيل، والماشية، ومنشآت ومخزونات مياه الشرب، ومنشآت الري، بغرض حرمان السكان المدنيين أو الطرف المعادي من فائدتها، أياً كان الدافع، سواء لتجويع المدنيين أو لإجبارهم على النزوح أو لأي سبب آخر."
تضرّر قطاع المياه والصرف الصحي والري في لبنان على نحو واسع نتيجة تصاعد حدة النزاع في الجنوب. يشير تقرير البنك الدولي حول التقييم السريع للأضرار والاحتياجات إلى أن ما نسبته 10% من إجمالي طول قنوات الري قد تضررت خلال الفترة من 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى 20 ديسمبر/كانون الأول 2024، وتشمل الأضرار مضخات المياه، وقنوات الري، والآبار الأنبوبية، إضافة إلى الألواح الشمسية المستخدمة لتشغيل أنظمة الري. تُعدّ مناطق قضاء مرجعيون الأكثر تضررًا، تليها منطقتا صور والنبطية. حيث بلغت القيمة التقديرية للضرر نحو 356 مليون دولار أمريكي. من جانبه أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى تضرر 40 منشأة أو أصلًا مائيًا من أصل 118، منها 12 منشأة دُمرت بالكامل.
خلّفت تلك الأضرار تداعيات إنسانية وخيمة، شملت مخاطر صحية ناتجة عن نقص المياه النظيفة، وتفاقم معاناة النازحين، وارتفاع الأعباء الاقتصادية على السكان المدنيين. وانعكست هذه الأضرار بشكل مباشر على القطاع الزراعي، لا سيما مصادر المياه التي كانت تُستخدم أساسًا في ريّ المحاصيل. ووفقًا لـمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تجاوزت التغيرات السلبية في الغطاء النباتي للأراضي الزراعية في مختلف محافظات لبنان 13,500 هكتار. تركّزت أغلبية هذه التغيرات في بعلبك-الهرمل، تلتها منطقتا البقاع والنبطية.
محطة ضخ نبع الوزاني
في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2002، بدأ لبنان ضخ مياه نبع الوزاني إلى القرى الجنوبية المجاورة. ومنذ ذلك الحين، اعتُبرت محطة ضخ مياه الوزاني هدفًا استراتيجيًا نظرًا لأهميتها الحيوية لمنطقة واسعة من قضاء مرجعيون والمناطق المحيطة، إلى جانب كونها بؤرة توتر مائي مزمن بين لبنان وإسرائيل. يُغذّي نبع الوزاني نهر الحاصباني بنحو 50 إلى 60 مليون متر مكعب سنويًا، من أصل إجمالي تصريف يتراوح بين 150 و180 مليون متر مكعب. ويعبر النهر الأراضي اللبنانية متجهًا نحو إسرائيل، حيث يصب في نهر الأردن وينتهي في بحيرة طبريا.
في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تداولت حسابات على مواقع التواصل الإجتماعي ووسائل إعلام تقارير تفيد بتفجير الجيش الإسرائيلي لمحطة ضخ مياه نبع الوزاني، إلى جانب استهداف خزانات تجميع المياه قرب حاجز للجيش اللبناني.
من اللافت أن أحد الحسابات أشار إلى وقوع التفجير قرب مجرى نهر الوزاني، جنوب قرية الغجر في قضاء مرجعيون. وقد ساعد هذا التفصيل في تضييق نطاق البحث لتحديد موقع الهجوم بدقة.
بعد ساعات، وتحديدًا عند الساعة 16:54 بتوقيت لبنان، نشر حساب موقع النبطية أن الجيش الإسرائيلي فجّر مضخة مياه نبع الوزاني، إضافة إلى خزانات تجميع المياه القريبة من حاجز الجيش اللبناني عند سهل الوزاني. ويُعد هذا المنشور أول إشارة صريحة إلى تفجير المحطة في ذلك اليوم.
أثناء مراجعة المحتوى المتداول، تبيّن أن الجيش الإسرائيلي بدأ بإلقاء مناشير تدعو إلى إخلاء قرية الوزاني في 15 سبتمبر/أيلول 2024، ووفقًا لأحد الحسابات، نصّت التحذيرات على وجوب الإخلاء قبل الساعة الرابعة من بعد ظهر ذلك اليوم، وعدم العودة إلى المنطقة حتى نهاية الحرب. وبالتدقيق في النصوص المكتوبة داخل المناشير، ورد أن على السكان الانتقال إلى شمال منطقة الخيّام حتى الساعة المحددة، وأن أي شخص يُشاهد في المنطقة بعد ذلك سيُعتبر "عنصرًا إرهابيًا" وتُستباح دِماؤه.
أظهرت خرائط السيطرة على موقع Liveuamap توغلًا كاملًا للجيش الإسرائيلي في منطقة الوزاني بتاريخ 31 أكتوبر/تشرين الأول 2024. إلا أن التتبع الزمني للخريطة يُظهر أن التوغل بدأ تدريجيًا انطلاقًا من جنوب كفركلا، مرورًا ببلدة بليدا، وميس الجبل، وأطراف من قضاء حاصبيا، قبل أن يتوسع لاحقًا مع استمرار عمليات القصف والتفجير في مناطق الامتداد.
تحديد الموقع الجغرافي للهجوم
لتحديد الموقع الجغرافي لمحطة الضخ، تمت مقارنة المحتوى البصري المتداول حول التفجير مع صور نشرها مستخدمون على خرائط Google. وثّق حساب الأخبار نيوز آثار الضربة على محطة ضخ نبع الوزاني في تسجيل مصوّر نُشر في فبراير/شباط 2025، حيث حدّدت المذيعة الموقع من خلال وصف المعالم المحيطة. وذكرت أن المضخة تقع قرب نقطة عسكرية للجيش اللبناني تُعرف بـ"نقطة الجسر"، والمطلة على قرية الغجر الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي.
تبعد "نقطة الجسر" أمتارًا قليلة عن موقع تابع للكتيبة الإسبانية ضمن قوات "اليونيفيل" (قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان). وقد ظهرت مباني الوحدة في تسجيل نشره حساب "[الأخبار نيوز]"، وتطابقت مع صورة وفيديو منشورين على خرائط Google من قبل مستخدمين، لا سيما من حيث شكل المباني وتصميمها، مما عزز من دقة تحديد الموقع.
كما أظهر الفيديو وجود المضخة التي تم تفجيرها أسفل وحدة "اليونيفيل" مباشرة، وظهرت بقايا المضخة وبناء مدمّر في قاع الوادي عند مجرى النبع. ساعد فيديو قديم لوكالة أسوشيتد برس نُشر عام 2015، عن مياه الوزاني، في التحقق من الملامح البصرية للموقع والتأكيد على تطابقها مع ما ورد في الفيديو الحديث.
عند جمع كل القرائن البصرية ومطابقتها مع صور الأقمار الصناعية، يمكن تحديد موقع محطة ضخ نبع الوزاني بدقة، وذلك إلى الجنوب من وحدة "اليونيفيل" قرب بلدة الوزاني في قضاء مرجعيون، وتحديدًا عند الإحداثيات: 33.273802, 35.618997.
عند مراجعة صور القمر الصناعي Sentinel-2 للأيام 5، 15، و20 من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لوحظ في صورة يوم 15 مقارنة بيوم 5 تغير طفيف في موقع المضخة المحدد سابقًا، تمثل في تغيّر بسيط في شكل الأشجار ولون التربة المحيطة بالنبع. وقد يُشير ذلك إلى آثار تفجير أو احتراق، كما لا يُستبعد أن تكون التغيرات ناجمة عن تدخلات بشرية مثل التجريف، خصوصًا في ظل الوجود العسكري الإسرائيلي آنذاك، أو نتيجة تغيرات في مستشعرات القمر الصناعي. أما صورة يوم 20 فقد أظهرت مؤشرات أكثر وضوحًا، منها اختفاء بعض الأشجار وتغير لون سطح الأرض حول النبع، ما يعزز فرضية وقوع التفجير وتضرر المضخة، إلى جانب احتمالية تنفيذ أعمال تجريف بعد الهجوم.
ماذا عن خزانات محطة الوزاني؟
عند تحليل المحتوى المتصل بتفجير مضخة الوزاني، تبيّن أن الحادثة تختلف عن الهجوم الذي أُصيبت فيه خزانات محطة الوزاني المعروفة باسم محطة مشروع مياه الوزاني. ووفقًا للبيانات المتاحة، تعرّضت المحطة للقصف عدة مرات خلال الحرب الأخيرة، ما أدى إلى توقفها عن العمل. وكانت تضخ نحو 12 ألف متر مكعب من المياه يوميًا لتغذية أكثر من 40 بلدة في الجنوب اللبناني، عبر شبكة تنقل المياه من الجزء الشرقي إلى الغربي للمنطقة.
وقعت إحدى الهجمات المؤثرة في فبراير/شباط 2024، وأسفرت عن إخراج المحطة عن الخدمة. وقد وثّقت وسائل إعلامية الأضرار عبر محتوى بصري يُظهر أحد المباني المتضررة جراء الهجوم بوضوح.
عند مراجعة فيديو الميادين لبنان إلى جانب فيديو وصور نشرها حساب “الأخبار نيوز”، تبين وجود تطابق في عدة مواضع بمسرح الهجوم. ظهرت المضخات بوضوح، إلى جانب السقف المدمر، وتطابقت أبواب غرفة التشغيل المعدنية، كما ظهر برج خزان المياه في الموقع.
وفقًا للمحتوى المنشور وشهادة مدير المشروع، تضرر أحد مباني المحطة التي تضم مضخات المياه، كما تضررت مولدات التشغيل وسقف المبنى. وقد تمكّنا من تحديد الموقع الجغرافي للمبنى المتضرر بدقة عند الإحداثية: 33.270679, 35.608008.
تمكنت مؤسسة مياه لبنان الجنوبي واللجنة الدولية للصليب الأحمر من إعادة تشغيل المحطة في أبريل/ نيسان 2024، لتعاود عملها في ضخ المياه إلى البلدات المجاورة.
تعرّضت المحطة لهجوم جديد بين 31 أكتوبر/تشرين الأول و5 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية مؤشرات واضحة على الضرر، في ظل غياب التوثيق لهذا الهجوم في مواقع التواصل الاجتماعي. يُحتمل أن يكون ذلك مرتبطًا باجتياح الجيش الإسرائيلي للمنطقة، وانسحابه لاحقًا، إلى جانب المواجهات التي شهدتها البلدة. وتجدر الإشارة إلى أن المدنيين كانوا قد أُجبروا على الإخلاء في تلك الفترة، بناءً على أوامر عسكرية سابقة.
بمقارنة المحتوى البصري الحديث للمحطة بالفيديوهات التي وثّقت هجوم فبراير/شباط، يمكن تحديد أبرز الأضرار: تدمير خزان البرج، وسقف مبنى المضخات، بالإضافة إلى أضرار كبيرة في الخزانين الرئيسيين، حيث ظهرت على سطحهما حُفر ناجمة عن ارتطام مقذوفات.
تجدر الإشارة إلى أن الغطاء النباتي في الأراضي الزراعية المحيطة بالمحطة قد تغيّر. إذ تُظهر مقارنة صور الأقمار الصناعية بين موسمي الزراعة في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 و30 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، اختفاءً واضحًا للغطاء النباتي، إلى جانب مؤشرات على تنفيذ عمليات تجريف في تلك الأراضي.
مؤسسة مياه لبنان الجنوبي- صور
"إن غارة إسرائيلية في 18 نوفمبر/تشرين الثاني على محطة لتنقية وضخ المياه في صور، أدّت إلى انقطاع المياه عن نحو 72 ألف شخص في مدينة صور والمناطق المحيطة بها."
تعرّض مبنى مؤسسة مياه لبنان الجنوبي في مدينة صور، إلى جانب محطة تنقية وضخ المياه التابعة له، لغارة إسرائيلية في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ما أدى إلى خروجه عن الخدمة. ووفقًا لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، تسبب الهجوم في انقطاع المياه عن نحو 72 ألف شخص في المدينة والمناطق المحيطة بها. وأسفر الهجوم أيضًا عن مقتل اثنين من موظفي المؤسسة. وقد تداولت وسائل إعلام وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي محتوى بصري يوثق الحادثة، فيما أدان وزير الطاقة والمياه وليد فيّاض هذا الاستهداف.
بالعودة إلى تحليل الطابع الزمني للحادثة، قادنا البحث في منصة “إكس” إلى أول بلاغ منشور حول الحادثة، يشير إلى وقوع غارة جوية على مدينة صور. نُشر هذا البلاغ في الساعة 12:28 بالتوقيت المحلي للبنان.
بعد دقائق، وتحديدًا عند الساعة 12:32، نُشر بلاغ آخر يوضح موقع الغارة، مشيرًا إلى أنها استهدفت محيط ثكنة للجيش اللبناني في مدينة صور.
في الدقيقة نفسها نشر حساب “مدينة صور” على تليجرام فيديو صُوّر من داخل سيارة إسعاف تابعة لفريق الدفاع المدني في مركز صور، أثناء تحركها نحو موقع الهجوم. يُظهر الفيديو حديثًا عن غارة استهدفت موقعًا قريبًا من مركز الدفاع المدني في المدينة. وقد طابقت صور سيارات الإسعاف الظاهرة في الفيديو نظيراتها التابعة للدفاع المدني اللبناني.
بعد ثلاث دقائق، نشر حساب LebanonFiles بلاغًا أفاد بأن الغارة استهدفت مبنى شركة المياه في مدينة صور، خلف مركز الدفاع المدني. وفي وقت لاحق، صدرت البلاغات الرسمية التي أكدت قصف مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، الواقعة قبالة ثكنة الجيش اللبناني في مدينة صور.
عند مراجعة المحتوى البصري، أظهرت اللقطات سماءً ملبدة بالغيوم، ما يُشير إلى أن المقاطع صُوّرت في أجواء غائمة أو شبه غائمة، مما يعزز فرضية التقاطها في فترة شهدت ظروفًا مناخية مماثلة. وللتحقق من ذلك، تم الرجوع إلى الأرشيف المناخي لموقع worldweatheronline، الذي بيّن أن مدينة صور شهدت زخات مطر متوسطة إلى غزيرة في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وأن تغطية الغيوم تراوحت بين 60% و71% بين الساعة 12:00 و15:00.
الموقع الجغرافي والمطابقة البصرية
ساهمت الكلمات المفتاحية الواردة في البلاغات الأولية حول الهجوم، مثل “مركز الدفاع المدني” في صور، و"ثكنة صور"، و"مؤسسة مياه لبنان الجنوبي"، و"كافيه السمرا"، في تضييق النطاق الجغرافي للبحث. ومن خلال مطابقة المعالم الظاهرة في المحتوى البصري المنشور مع خرائط Google وصور الأقمار الصناعية، تم تحديد الإحداثيات الدقيقة للموقع المستهدف. ظهرت بوابة المؤسسة، ومجسم معدني بارز باللون الأزرق، وعدد من المباني المميزة في الشكل والموقع، مما عزّز من دقة التحديد الجغرافي.
ظهر أحد المعالم البارزة في المدينة في فيديو وصورة نشرهما حساب “مدينة صور” على تليجرام. وخلال عملية المطابقة البصرية، تبين أن المعلم يعود إلى ثكنة “بنوا بركات” التابعة للجيش اللبناني، إذ طابق شكل البناء الحجري الدائري المبنى الأبيض الظاهر في المحتوى المنشور.
ظهر أحد الأبراج السكنية في المنطقة المحيطة ضمن فيديو نُشر على حساب "مدينة صور" بالإضافة لفيديو "قناة الأفضل". وقد طابق هذا البرج مبنًى ظهر بوضوح في صور منظور الشارع على خرائط جوجل، وتحديدًا في صورة بانورامية محفوظة نشرها أحد المستخدمين، ما ساعد على تأكيد الموقع الجغرافي بدقة.
استنادًا إلى المطابقة الجغرافية للمعالم الظاهرة في المحتوى البصري، تم تحديد موقع الهجوم على مبنى مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، والذي يُعرف أيضًا باسم “محطة مياه البص”. يقع المبنى في محيط مركز الدفاع المدني ومنطقة الآثار الرومانية في البص، وبمحاذاة ثكنة الجيش اللبناني في مدينة صور على الساحل الغربي للبنان. وقد حُدّد الموقع بدقة عند الإحداثيات: 33.265982, 35.211842.
أظهرت صور الأقمار الصناعية من طراز Sentinel-2، الملتقطة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مؤشرات بصرية واضحة على أضرار في الموقع، مقارنة بصور تعود إلى 15 من الشهر نفسه، مما يعزز فرضية تعرّضه لهجوم جوي خلال تلك الفترة.
تقع مؤسسة مياه لبنان الجنوبي على بُعد نحو 127 مترًا فقط من مضمار سباق الخيل الروماني العائد إلى القرن الثاني الميلادي، والذي يُعد من أكبر المضامير المعروفة في العالم الروماني. وتُشير دراسات أثرية إلى أن هذا الموقع كان يُستخدم مدخلًا رئيسيًا لمدينة صور القديمة، ويضم المقبرة الرومانية. تبعد بقايا المدينة الرومانية، المصنفة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، نحو 1.4 كيلومتر من المؤسسة. وتحظى هذه المعالم بالحماية بموجب قانون الآثار اللبناني وقانون حماية الممتلكات الثقافية، ما يبرز حساسية الهجمات التي تقع في محيطها.
بعد يومين من الهجوم، بدأت أعمال إصلاح محطة المياه، حيث باشرت مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، بالتعاون مع منظمة اليونيسف واللجنة الدولية للصليب الأحمر، عمليات رفع الركام وتنظيف محيط المنشأة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلنت المؤسسة استعادة جاهزية المحطة وبدء إعادة تغذية مدينة صور وضواحيها بالمياه. من جهتها، أفادت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأنها قامت بتركيب محطة تحويل لضخ المياه مباشرةً من المصدر إلى محطة التوزيع، كاستجابة طارئة لتأمين احتياجات أكثر من 100 ألف شخص من سكان صور والمناطق المحيطة الذين انقطع عنهم الإمداد بالمياه نتيجة تضرر المحطة بفعل الهجوم.
الهجمات من وجهة نظر القانون
تُثير الطبيعة الممنهجة التي اتسمت بها الهجمات على البنية التحتية للمياه في لبنان، كما يتضح من تدمير محطتي البص والوزاني ومنشآت أخرى، مخاوف جدية بشأن الالتزام بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني. فإذا كانت هذه المنشآت تخدم في المقام الأول السكان المدنيين، ولم تكن تُقدّم مساهمة فعالة في العمليات العسكرية، فإن استهدافها المباشر يشكّل انتهاكًا لمبدأ التمييز. وحتى مع افتراض وجود ميزة عسكرية محتملة، فإن الأضرار الواسعة النطاق التي لحقت بالسكان المدنيين – من حيث انقطاع المياه وما يترتب عليه من آثار صحية ومعيشية – كما في حالتي البص والوزاني، تثير تساؤلات جدية حول ما إذا تم احترام مبدأ التناسب.
علاوة على ذلك، فإن تكرار مثل هذه الحوادث قد يشير إلى فشل في اتخاذ الاحتياطات الكافية لتجنّب الإضرار بالمدنيين والأعيان المدنية، وهو ما يُعد انتهاكًا آخر محتملًا للالتزامات القانونية الدولية.
ويمثّل التدمير الواسع للبنية التحتية للمياه انتكاسة كبيرة للتنمية في لبنان، لا سيما في المناطق الجنوبية التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة. ففقدان مصادر المياه اللازمة للري لا يؤثر فقط على الأمن الغذائي، بل يُهدد سبل العيش على المدى الطويل، ويُفاقم من معدلات النزوح، ما يزيد من التحديات التنموية ويعيق جهود التعافي الاقتصادي.