بنية تحتية مدمَّرة، ووهمية المناطق الآمنة.. تداعيات قصف طريق خان يونس-رفح
تحقيق مفتوح المصدر — قطاع غزة

بنية تحتية مدمَّرة، ووهمية المناطق الآمنة.. تداعيات قصف طريق خان يونس-رفح

تحقيق مفتوح المصدر يوثّق قصف الطريق الرئيسي الفاصل بين خان يونس ورفح وشبكة المياه المحاذية له، بعد ساعات فقط من مطالبة الجيش الإسرائيلي مدنيي خان يونس بالتوجه نحو رفح باعتبارها منطقة آمنة، ويحلل ما يعنيه ذلك من عرقلة متعمدة لوصول المدنيين إلى ملاذات آمنة.

منهجية التحقيق

اعتمد التحقيق على تحليل 24 مصدرًا من مقاطع الفيديو والصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية. استُخدمت أداة WhoPostedWhat للبحث المتقدم على فيسبوك، وأداة EpochConverter لتحليل الطابع الزمني للمنشورات وتحديد توقيت نشرها بدقة، إلى جانب عمليات بحث متقدم على إكس وتلغرام. اعتمد تحديد الموقع الجغرافي على مقارنة صور من Google Maps وGoogle Earth مع صور نشرت لموقع الحادثة قبل الهجوم وبعده، إضافة إلى مقارنة بصرية لصور الأقمار الصناعية لرصد التغيرات. واستُخدمت أداة ImageJ لتقدير أبعاد الحفرة الناتجة عن الهجوم.

مشاركة

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 يعيش قطاع غزة أحداثًا مأساوية متمثلة بقصف مباشر وتدمير للبنية التحتية وفقدان ضحايا مدنيين، إلى جانب فقدان المدنيين الوصول الآمن لمناطق قد تُعتبر آمنة للنزوح.

توصلت الأطراف المتصارعة، بعد عدة مفاوضات، إلى هدنة إنسانية استمرت أربعة أيام ثم مُددت يومين إضافيين، بين 24 نوفمبر/تشرين الثاني وحتى 1 ديسمبر/كانون الأول 2023. غير أن إسرائيل استأنفت عملياتها العسكرية فور انتهاء المهلة، بقصف مناطق مختلفة في القطاع بالمدفعية والبوارج والطائرات الحربية، ما أعاد طرح الأسئلة حول ما إذا كانت لا تزال تتّبع سياسة العقاب الجماعي وحرمان المدنيين من الوصول إلى ملاذ آمن وإلى الخدمات الأساسية كالمياه والمستشفيات.

في اليوم الأول لاستئناف العمليات العسكرية، تعرّضت منطقة خان يونس لقصف شديد، إلى جانب توجيه المدنيين هناك نحو مدينة رفح باعتبارها مكانًا آمنًا. غير أن غارات جوية إسرائيلية مزعومة استهدفت لاحقًا الطريق الرئيسي بين خان يونس ورفح والبنية التحتية الأساسية الموجودة عليه، وتحديدًا أنابيب المياه، ما عرقل حركة المدنيين نحو مناطق آمنة وأثّر على وصولهم إلى الموارد الحيوية — وهو ما قد يعزز الاتهامات الموجهة لإسرائيل بانتهاك القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الجنائي، وارتكاب جرائم حرب عبر سياسة العقاب الجماعي للمدنيين في غزة.

1. مناطق آمنة وهمية

مع انقضاء الهدنة الإنسانية فجر الجمعة 1 ديسمبر/كانون الأول 2023 عند الساعة الخامسة، استأنف الجيش الإسرائيلي هجماته العسكرية بغارات جوية مكثفة وأسلحة مختلفة، طالت مناطق عدة في قطاع غزة وأسفرت عن عشرات الضحايا المدنيين بحسب التقارير المتاحة. طالت الهجمات مناطق أبو إسكندر وشيماء وحي الزيتون وشارع الدحدوح وحي الشيخ رضوان شمالًا، ومناطق النصيرات ودير البلح ومخيمي البريج والمغازي وسطًا، فيما اشتدت في الجولة الثانية من الحرب الهجمات على مناطق جنوبي القطاع، منها بلدة عبسان وبني سهيلا وحي الأمل في خان يونس — وهو ما وصفه البعض بمحاولة لفصل المناطق عن بعضها.

في مدينة خان يونس، ألقى الجيش الإسرائيلي مناشير ورقية طلب فيها من سكان القرارة وخربة الخزاعة وعبسان وبني سهيلة "الإخلاء فورًا والتوجه إلى الملاجئ في منطقة رفح"، واصفًا خان يونس بأنها "منطقة قتال خطيرة". وقد أوحت هذه المناشير بوجود ممرات آمنة نحو رفح، غير أن الوقائع أظهرت خلاف ذلك: فقد استمر قصف رفح نفسها، وسط ادعاءات بقصف منازل مدنيين ومنشآت مدنية كالمساجد، إلى جانب قصف الجيش الإسرائيلي، بحسب الادعاءات، الطريق الرئيسي الفاصل بين خان يونس ورفح وأنابيب المياه المارة فيه.

صورة تظهر المناشير التي ألقاها الجيش الإسرائيلي على سكان خان يونس تطلب منهم التوجه نحو رفح
صورة نشرها الصحفي محمود اللوح على منصة تلغرام تُظهر المناشير التي ألقاها الجيش الإسرائيلي على سكان بعض مناطق خان يونس، تطلب منهم التوجه نحو رفح. فبراير/شباط 2024.

2. التحليل الزمني للأحداث

وثّقت قناة الجزيرة ما وصفته بأول غارة جوية على خان يونس بعد انتهاء الهدنة، من خلال فيديو نشرته على فيسبوك الساعة 08:26:08 بتوقيت غزة. بعد الغارة الأولى، بدأ تداول أخبار عن ضحايا مدنيين علقوا تحت الأنقاض. وباستخدام أداة EpochConverter لتحليل الطابع الزمني المرفق بالمنشورات (عبر البحث عن "creation_time" في البيانات الوصفية لفيسبوك)، تبيّن أن منشور الجزيرة الأول عن الغارة نُشر الساعة 08:26:08، ومنشورها الثاني عن أول مجموعة ضحايا نُشر بعده بنحو نصف ساعة، الساعة 08:55:23.

لقطات شاشة توثّق المنشورات الأولى على فيسبوك وتلغرام التي أبلغت عن استئناف القصف على خان يونس، مع تحليل الطابع الزمني لتوقيت نشرها عبر أداة EpochConverter.

بالبحث العكسي، عُثر على أول نسخة من المناشير التي ألقاها الجيش الإسرائيلي، نشرها الصحفي محمود اللوح على تلغرام الساعة 9:15 صباحًا من اليوم نفسه، أي بعد نحو 49 دقيقة من استئناف العمليات العسكرية. وبينما تتسارع أخبار احتدام المعارك في خان يونس، رُصد منشور على تلغرام لحساب "نبض مقدسي" يُبلغ عن قصف الطريق الفاصل بين خان يونس ورفح عند الظهيرة، الساعة 12:01، أي بعد أقل من 3 ساعات من مطالبة إسرائيل المدنيين بالتوجه نحو رفح.

للتحقق من صحة هذه الأخبار، رُصدت منشورات أخرى تؤكد وقوع الهجوم، من بينها منشور لحساب "رباب ابوحطب" على فيسبوك، أظهر تحليل طابعه الزمني أنه نُشر الساعة 12:03:43 ظهرًا، ثم منشور آخر لـ"ماجد ابو حميد" يحوي مقطع فيديو يدّعي توثيق اللحظات الأولى بعد الهجوم، نُشر الساعة 12:07:47. مع ذلك، تعذّر على فريق التحقيق التحقق من أصالة هذا الفيديو وموقعه الجغرافي الدقيق بسبب محدودية البيانات المتاحة.

لقطات شاشة توثّق منشورات "رباب ابوحطب" و"ماجد ابو حميد" حول الهجوم على الطريق الفاصل بين خان يونس ورفح، مع تحليل توقيت نشرها.

3. تحديد موقع التأثير

في اليوم التالي للحادثة، نشرت وسائل إخبارية وناشطون صورًا ومقاطع فيديو توثّق موقع القصف، من بينها فيديو نشرته قناة رؤيا وصور شاركتها صفحة "The Peninsula Qatar" على منصة إكس.

مجموعة صور نشرها حساب الموقع الإخباري "The Peninsula Qatar" على منصة إكس، تُظهر آثار الدمار على الطريق الفاصل بين خان يونس ورفح وإتلاف شبكة المياه المحاذية له. فبراير/شباط 2024.

بالتحليل المقارن لصور الأقمار الصناعية مع المعالم البارزة في لقطات الفيديو التي نشرتها قناة الجزيرة وحساب Saleem Z. Aburas، إلى جانب صور نشرها Ahed Al-ledawi على فيسبوك، تم تثبيت الموقع الجغرافي المتضرر بدقة عند تقاطع طريق عمر بن الخطاب مع شارع عبدالناصر في منطقة ميراج جنوب قطاع غزة، عند الإحداثية 31.307655, 34.279697.

صورة توضح الموقع الدقيق لموقع التأثير على خرائط جوجل
صورة توضح الموقع الدقيق لموقع التأثير على خرائط جوجل، بالاستناد إلى لقطات من فيديو قناة الجزيرة، وحساب Ahed Al-ledawi، وحساب Saleem Z. Aburas، استُخدمت للمطابقة الجغرافية.

أظهرت صور الأقمار الصناعية من Planet Labs PBC وجود تضرر واضح في الطريق المقصوف، بمقارنة لقطتين: إحداهما قبل الحادثة بتاريخ 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، والأخرى بعدها بتاريخ 15 ديسمبر/كانون الأول 2023.

مقارنة بين صورتي أقمار صناعية من قبل وبعد الهجوم على الطريق
مقارنة بين صورتي أقمار صناعية من Planet Labs PBC، الأولى بتاريخ 24 نوفمبر 2023 (قبل الهجوم) والثانية بتاريخ 15 ديسمبر 2023 (بعده)، تُظهر تضررًا واضحًا في الطريق المقصوف.

بالبحث عبر خرائط جوجل، تبيّن أن منطقة الهجوم تقع عند نقطة التقاء طريقين رئيسيين من أصل ثلاثة تؤدي نحو رفح، ما أدى إلى عرقلة استخدام المدنيين لاثنين من أصل ثلاثة طرق كانوا قد يسلكونها هربًا من خان يونس نحو رفح.

طريقان من أصل ثلاثة طرق رئيسية تصل خان يونس برفح باتا معرقلين بعد قصف نقطة التقائهما، ما أعاق حركة النزوح نحو المنطقة التي وصفها الجيش الإسرائيلي بأنها "آمنة".

4. آثار الهجوم على البنية التحتية

أظهرت لقطات فيديو نشرتها وكالة وفا عبر يوتيوب حفرتين خلّفتهما الضربات على الطريق، إحداهما واسعة في منتصف الطريق كادت أن تمنع العبور بشكل كامل.

مجموعة صور توثّق آثار الدمار على الطريق وعلى البنية التحتية، مجمّعة من مقاطع فيديو نشرتها حسابات "فلسطين للإعلام الرقمي" و"تلفزيون عودة" ووكالة وفا. فبراير/شباط 2024.

لقطات من مقطع نشرته وكالة وفا تُظهر الحفرة الواسعة التي خلّفها قصف الطريق الفاصل بين خان يونس ورفح.

لقياس أبعاد الحفرة الناتجة عن الضربات، استُخدم برنامج "ImageJ" الذي يقدّر أحجام العناصر داخل الصور بالاستناد إلى مرجع معروف القياس، وهو في هذه الحالة طول شاحنة ظاهرة في الصورة يبلغ نحو 4 أمتار. أظهر القياس أن قطر الحفرة يبلغ نحو 7.5 متر، وعمقها نحو 2.8 متر.

قياس حجم الحفرة الناتجة عن القصف باستخدام برنامج ImageJ
قياس حجم الحفرة الناتجة عن القصف باستخدام برنامج ImageJ، بالاستناد إلى طول شاحنة ظاهرة في الصورة كمرجع للقياس، من حساب الموقع الإخباري "The Peninsula Qatar". فبراير/شباط 2024.

ووفقًا لتقرير خدمات أبحاث الأسلحة (ARES) عن الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة، فإن حفرة بهذه الأبعاد التقريبية تتوافق مع خصائص قذيفة متفجرة كبيرة الحجم يتراوح وزنها بين 250 و500 رطل، موجهة أو غير موجهة، أوصلتها على الأرجح غارة جوية.

صورة من تقرير خدمات أبحاث الأسلحة ARES
صورة من تقرير خدمات أبحاث الأسلحة (ARES) تُظهر جداول تحليل قياسات الحفر والدمار في البنية التحتية مقابل وزن القذيفة المستخدمة.

حفرة بقطر 7.5 أمتار وعمق 2.8 متر — أبعاد تتوافق مع خصائص قذيفة كبيرة الحجم أوصلتها على الأرجح غارة جوية، بحسب تقرير خدمات أبحاث الأسلحة (ARES).

يبقى هذا التقييم تقريبيًا، إذ يتطلب أي تحليل دقيق لجانَ تحقيقٍ مختصة قادرة على الوصول إلى موقع الحادثة ميدانيًا.

مركبة مدنية عالقة أثناء محاولة عبور الطريق الفاصل بين خان يونس ورفح
صورة نشرها حساب الموقع الإخباري "The Peninsula Qatar" تُظهر مركبة مدنية عالقة أثناء محاولة عبور الطريق الفاصل بين خان يونس ورفح إثر الهجوم. فبراير/شباط 2024.

5. شبكة المياه والأراضي الزراعية

إلى جانب الحفرة، أفاد أحد شهود العيان بتضرر شبكة مياه رئيسية تمر أسفل الطريق المقصوف، يعتمد عليها سكان بلدات الفخاري وبيت النصر وبيت الشوكة الزراعية. وتُظهر الصور المنشورة تأثر الأنابيب وتجمّع المياه في الحفر الناتجة عن القصف، إلى جانب محاولات أهالي المنطقة إصلاح الأضرار يدويًا.

صور تظهر تضرر شبكة المياه أسفل طريق خان يونس-رفح
صور تُظهر تضرر شبكة المياه أسفل طريق خان يونس-رفح، وأفرادًا يحاولون إصلاح الأضرار يدويًا. فبراير/شباط 2024.

تُظهر صور الأقمار الصناعية للمناطق المحيطة ببلدات الفخاري (نحو 5 كم عن موقع الهجوم) وبيت نصر (2.8 كم) وبيت الشوكة (6 كم) مساحات زراعية واسعة تضم صوبات زراعية بلاستيكية واضحة المعالم، ما يشير إلى أن قصف الطريق قد يكون أثّر أيضًا على شبكة المياه المغذية لهذه الأراضي الزراعية، بما قد يحمل عواقب على الإنتاج الزراعي وحياة المدنيين هناك.

صورتان مرجعيتان لشكل الصوبات الزراعية
صورتان مرجعيتان توضحان الشكل المميز للصوبات الزراعية (البيوت البلاستيكية) الظاهرة في صور الأقمار الصناعية للمنطقة المحيطة بموقع الهجوم.

كما أفاد شاهد العيان بأن الأضرار قد تهدد استمرار عمل مستشفى غزة الأوروبي، الذي يبعد نحو 4 كم فقط عن موقع الهجوم، نتيجة تضرر خطوط الخدمات الرئيسية الواصلة إليه والتي كانت تمر تحت الطريق المقصوف.

6. خلاصة

يوفّر هذا التحقيق تحليلًا لتسلسل الأحداث وتوثيقًا للهجوم الذي أصاب الطريق الواصل بين خان يونس ورفح والآثار المترتبة على بنيته التحتية، ما يطرح سؤالًا ملحًا حول حقيقة توفير ممرات ومناطق آمنة للمدنيين دون تعريضهم لأذى غير ضروري. فقد قُصف ممر العبور الرئيسي للمدنيين من خان يونس إلى رفح بعد أقل من ثلاث ساعات فقط من إلقاء إسرائيل مناشير تطالبهم بمغادرة خان يونس إلى "مناطق آمنة" في رفح، ثم قصفت لاحقًا الطرق الرئيسية المؤدية إليها.

قد يُمثّل هذا التكتيك، وفق ما توثّقه الصور المستخدمة في هذا التحقيق، إلحاقًا مزدوجًا للأذى بالمدنيين، إذ يعرقل وصولهم إلى مناطق آمنة ويؤدي إلى عزل مجتمعات بأكملها، إلى جانب آثار قريبة وبعيدة المدى على قدرتهم على البقاء، في ظل تضرر شبكة المياه الزراعية وتهديد استمرار عمل المستشفيات جراء تضرر خطوط الخدمات الرئيسية.

© 2026 Pax Memoria — وحدة التحقيقات مفتوحة المصدر · سياسة الخصوصية ·