تتعاظم المخاوف بشأن الآثار المترتبة على العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة على الإرث الحضاري والتاريخي الفلسطيني. فمنذ بدء العمليات العسكرية عقب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى إعداد هذا التحقيق، أفاد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بتدمير الجيش الإسرائيلي 56 مسجدًا كليًا، و136 مسجدًا جزئيًا، إلى جانب 3 كنائس.
يحلّل هذا التحقيق حادثة استهداف المسجد العمري في جباليا، وهو موقع تاريخي راسخ يعود بناؤه على الأرجح إلى العصر المملوكي. تفيد المصادر بأن المسجد تعرّض لقصف مدمّر فجر 20 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أدى إلى تهدّمه بشكل شبه كامل، باستثناء مئذنته التي بقيت قائمة، قبل أن تُقصف المئذنة نفسها بعد ثلاثة أيام، ليتحول المسجد بأكمله إلى ركام. كما يوضّح التحقيق خلطًا شائعًا وقعت فيه بعض وسائل الإعلام بين هذا المسجد والمسجد العمري الكبير في حي الدرج بمدينة غزة.
1. عن المسجد العمري في جباليا
يُعد المسجد العمري في جباليا أحد أبرز المعالم الإسلامية في شمال قطاع غزة. يُشار إليه في الدليل الأثري "غزة بوابة الشام" بتاريخ غني يعود إلى العصر المملوكي، وتتميز مئذنته الثمانية الأضلاع بعناصرها الزخرفية المميزة، ما يبرز أهميته العمرانية والثقافية.


2. الاستهداف الأول: فجر 20 أكتوبر
بعد تصاعد العمليات العسكرية في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر، وردت أنباء عن استهداف المعالم الدينية. فجر يوم الجمعة 20 أكتوبر/تشرين الأول 2023، الساعة 2:48، نشر حساب "جباليا الآن" الإبلاغ الأول عن استهداف المسجد العمري في جباليا، تلاه إعلان وزارة الداخلية الفلسطينية عبر تلغرام في الساعة 3:04، ثم أفادت وكالة الأناضول في الساعة 3:31 بأن غارات جوية إسرائيلية دمّرت المسجد.



لقطات شاشة توثّق البلاغات الأولى عن استهداف المسجد العمري في جباليا فجر 20 أكتوبر 2023.
مع طلوع الفجر في الساعة 8:10 بتوقيت القدس، نشر الناشط محمد فرح صورًا توثّق الأضرار التي لحقت بالمسجد. بعد ذلك بوقت قصير، في الساعة 8:58، شارك حساب "جباليا الآن" على تلغرام مجموعة أخرى من الصور تُظهر الأضرار الشديدة بشكل أوضح.





ألبوم صور يوثّق اللحظات الأولى بعد استهداف المسجد العمري في جباليا صباح 20 أكتوبر 2023، نشرها الناشط محمد فرح وحساب "جباليا الآن".
3. التحقق الزمني والجغرافي
للتحقق من توقيت الصور المتداولة، استند الفريق إلى تحليل موقع الشمس الظاهر فيها ومقارنته ببيانات مسار الشمس في غزة، حيث سُجّل شروق الشمس في ذلك اليوم عند الساعة 06:23 صباحًا. بناءً على ذلك، قُدّر أن الصور التي تُظهر الدمار التُقطت بعد نحو ساعة من الشروق، أي قرابة الساعة 07:30 صباحًا، وهو ما يتوافق مع موقع الشمس الظاهر فيها.


عند الساعة 8:28 صباحًا، نشر إبراهيم الحرثاني أول فيديو يوثّق الدمار، ويُعتقد أنه أول توثيق مصوّر بعد القصف. مع حلول الساعة 10:08، شارك محمد النجار فيديو آخر يُظهر الدمار الشامل الذي أصاب كامل مساحة المسجد، بما في ذلك قبته الخضراء المميزة. وفي اليوم التالي، 21 أكتوبر، وثّق فيديو نشره حساب "Talla Rim" الأضرار التي لحقت بالمنازل المحيطة، مشيدًا بصمود المئذنة رغم القصف.

4. الاستهداف الثاني: انهيار المئذنة
بعد ثلاثة أيام، وتحديدًا في 23 أكتوبر/تشرين الأول، نشر حساب "جباليا الآن" على تلغرام الساعة 16:32 خبرًا عن غارة جديدة استهدفت مئذنة المسجد التي بقيت قائمة عقب القصف الأول. بعد نحو نصف ساعة، عند الساعة 17:06، نشرت وكالة "الرأي" عبر تلغرام صورة تُظهر انهيار المئذنة، ما حوّل المسجد بأكمله إلى كومة من الأنقاض، مع سقوط ضحايا فلسطينيين بين قتلى وجرحى. وبعد ساعات، أصدرت وكالة "سما" الإخبارية بيانًا حدّدت فيه هوية اثنين من الضحايا: محمد ياسر دردونة وابنه، اللذين انتُشلا من تحت الأنقاض، دون تفاصيل إضافية عن الجرحى.

غارتان خلال ثلاثة أيام فقط (20 و23 أكتوبر 2023) حوّلتا المسجد العمري في جباليا، الذي يعود تاريخه إلى العصر المملوكي، إلى ركام كامل.
5. تحليل الأضرار عبر صور الأقمار الصناعية
تكشف صور الأقمار الصناعية توثيقًا دقيقًا لحالة الموقع قبل الهجوم وبعده. تُظهر الصورة الملتقطة في 17 أكتوبر المسجد في حالته المعتادة دون أضرار، في حين تُظهر الصورة الملتقطة في 21 أكتوبر حجم الدمار الذي أصابه، بما يعزز الأدلة على وقوع الاستهداف في 20 أكتوبر. ولم تسلم الأبنية المجاورة من الضرر هي الأخرى، إذ تظهر آثار القصف على الهياكل السكنية والتجارية المحيطة.


صورتا أقمار صناعية لموقع المسجد العمري في جباليا بتاريخ 17 أكتوبر (قبل الاستهداف) و21 أكتوبر 2023 (بعده).
6. تصحيح الخلط: مسجدان يحملان الاسم نفسه
تنتشر مع تطورات العمليات العسكرية في غزة معلومات خاطئة ومضلّلة. فبعد استهداف المسجد العمري في جباليا، ساد اعتقاد خاطئ لدى بعض مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، وحتى بعض المواقع الإخبارية مثل "ميغافون"، بأن المسجد المستهدف هو المسجد العمري الكبير في حي الدرج بمدينة غزة، مع نشر صور لهذا المعلم الأثري المختلف. يؤكد هذا التحقيق أن المسجدين موقعان تاريخيان منفصلان: المسجد العمري الكبير في حي الدرج (31°30'14.56"N 34°27'52.96"E)، والمسجد العمري في جباليا الذي تعرّض للهجوم (31°31'32.26"N 34°29'2.27"E). ولم يُعثر أثناء البحث على أي أدلة بصرية تؤكد استهداف المسجد العمري الكبير في حي الدرج.

7. استهدافات سابقة وإعادة إعمار
لم يكن قصف أكتوبر 2023 الاستهداف الأول للمسجد العمري في جباليا؛ إذ توثّق السجلات تعرّضه لغارة جوية إسرائيلية في أغسطس/آب 2014 أسفرت عن دمار واسع ومقتل مؤذّن المسجد وإصابة عدد من الأشخاص. ويعود أقدم توثيق مرئي للمسجد، عُثر عليه على فيسبوك، إلى عام 2013، أي قبل تعرّضه لتلك السلسلة من الاستهدافات.
بعد عام من غارة 2014، بدأ بعض أهالي المنطقة مبادرة ذاتية التمويل لإصلاح أجزاء من ملحقات المسجد المتضررة، فيما ظل الجزء الرئيسي مدمرًا ومغلقًا أمام المصلين لسنوات. في عام 2017، أُعلن عن بدء مرحلة إعادة الإعمار، وشهدت منصات التواصل الاجتماعي تفاعلًا واسعًا مع أعمال الترميم. وفي عام 2019، احتفل أهالي جباليا بحفل إعادة افتتاح المسجد رسميًا، بتمويل ذاتي كامل من سكان المدينة، قبل أن يتعرّض مجددًا للهدم الكامل في أكتوبر 2023.




صور توثّق محطات المسجد العمري في جباليا عبر السنوات: الدمار عام 2014، ثم مراحل الترميم وإعادة الإعمار الذاتي وصولًا إلى إعادة افتتاحه عام 2019.
8. المعاهدات الدولية والمساءلة
تثير الأحداث الموثقة تساؤلات حول الالتزام بالمعايير الدولية لحماية الممتلكات الثقافية في النزاعات المسلحة. تنص اتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكولاتها الملحقة على ضرورة حماية الممتلكات الثقافية، بما فيها المواقع الدينية، من الدمار والتخريب، طالما ظلت خارج نطاق الاستخدام العسكري. وبموجب القانون الدولي، يمكن اعتبار استهداف مواقع لا تشكل أهدافًا عسكرية والتدمير المتعمد للتراث الثقافي انتهاكات تستدعي التحقيق والمساءلة.
ووُجّهت خلال تلك الفترة أسئلة إلى جون كيربي، منسق الاتصالات الاستراتيجية بمجلس الأمن القومي الأميركي، حول الأضرار التي لحقت بالكنيسة الأرثوذكسية الرومانية وبالمسجد العمري، فاكتفى بالقول إن الإدارة الأميركية لن تعلّق على كل حادثة على الأرض، مؤكدًا التواصل مع الجانب الإسرائيلي لضمان الالتزام بقوانين الحرب، دون أن يتطرق مباشرة إلى اتفاقية لاهاي أو إمكانية فتح تحقيقات مستقلة في استهداف المسجد.
56 مسجدًا دُمّر كليًا و136 مسجدًا تضرر جزئيًا في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى إعداد هذا التحقيق، إلى جانب 3 كنائس، بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
