"نرى أن تدمير المواقع الثقافية والدينية خلال النزاعات المسلحة له آثار نفسية عميقة، إذ يُخلّف الناس في حالة من الانفصال والصدمة النفسية."
جينيفر برايس، مستشار إنساني في "بلو شيلد"، وهي منظمة لحماية المواقع التراثية في مناطق النزاع
1. السياق وحجم الدمار في بليدا
رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وتجاوز مهلة الـ60 يومًا المقررة لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية؛ لا تزال التهديدات مستمرة من قبل إسرائيل لوقت كتابة هذا التقرير مع تجاهل واضح للدعوات الأممية في تجديد الهدنة.
جاء ذلك بعد تصعيد مستمر بين قوات حزب الله وإسرائيل منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، متضمنًا "عملية برية" قادتها إسرائيل ضد قوات حزب الله المتواجدة في القرى الجنوبية. ففي 10 أكتوبر/تشرين الأول 2024، كتبت صحيفة Jerusalem Post أنها المرة الأولى التي يجري فيها الصحفيون الإسرائيليون جولة في أحد القرى اللبنانية منذ حرب 2006 كدليل على السيطرة، وقد وثّقت "المفكرة" في تحقيق سابق تفجير الجيش الإسرائيلي قرية حدودية كاملة ضمن العمليات العسكرية خلال الاجتياح في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2024.

من ضمن القرى التي اجتاحتها إسرائيل بريًّا بليدا الواقعة على الحدود مع إسرائيل، وهي إحدى قرى قضاء مرجعيون في محافظة النبطية جنوبي لبنان. بحسب التحليل الذي أُجري لتقييم الدمار من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية، أكدت البيانات تعرض البلدة للقصف من قِبل قوات الجيش الإسرائيلي على مدار عام كامل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وثّقت "المفكرة" أدلة على استهداف الجيش الإسرائيلي المواقع التراثية والدينية عبر طرق مختلفة، كالتفخيخ في مساجد بلدات: "يارين" و"البستان" و"أم التوت" و"يارون" و"الظهيرة"، واستخدام الجرافات في هدم مسجديّ "طيرحفا" و"مارون الراس" والذي أظهرت الفيديوهات هدمه يوم 2 ديسمبر/كانون الأول 2024 أي بعد وقف إطلاق النار. كما وثّقت "المفكرة" تدمير 13 مسجدًا وكنيستين على الأقل باستخدام القصف المباشر، بينها مناطق مدرجة على لائحة الأبنية التراثية مثل "جامع طيردبا" ومسجد "كفر تبنيت" وكنيسة "دردغيا" ومسجد "حيّ البيّاض الأثري" في النبطية.
وبلغ عدد المساجد التي دُمّرت قبل وبعد وقف إطلاق النار 21 مسجدًا و3 كنائس على الأقلّ، بينها دور عبادة تراثية، ويُتوقّع أن يكشف الوصول إلى المنطقة الحدودية وتوافر المزيد من صور الأقمار الاصطناعية عن المزيد من التدمير.
تُنص اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح وبروتوكوليها لعامي 1954 و1999 على حماية الممتلكات الثقافية، كما تُعدّ حماية المواقع الثقافية والدينية في حالات النزاع التزامًا بموجب البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني لاتفاقية جنيف (1977).
2. مسجد بليدا: تراث ثقافي وديني يتعرض للتدمير
عبر تحليل الأدلة المرئية وصور الأقمار الصناعية بالتعاون مع "مختبر نوى للإعلام" والشهادات الميدانية لأهالي البلدة، أجرت "المفكرة" تحليلًا لاستهداف وتدمير وتجريف "مسجد النبي شعيب" التاريخي في قرية بليدا على يد القوات الإسرائيلية، وذلك على الرغم من أنه مدرج على لوائح الجرد العام لوزارة الثقافة اللبنانية وبرغم قيمته التراثية والتاريخية كأحد أقدم مساجد منطقة جبل عامل والذي يعود تاريخه في بعض الروايات إلى ألف عام.

"كان المسجد شاهدًا على جميع مراحل حياتنا، من الأفراح إلى الأحزان. تدميره محاولة لطمس روح المجتمع، لكنه سيظل جزءًا من هويتنا، وسنعيد بناءه كرمز لصمودنا."
إيمان العبد، صحافية من أبناء بليدا
التاريخ والقيمة الرمزية
يتمتع المسجد بقيمة تراثية وتاريخية، حيث يُنسب إلى النبي شعيب حما النبي موسى، وتقع إلى جانبه "آبار شعيب"، التي يعتقد السكان أنها الموقع الذي سقى فيه النبي موسى أغنام بنات النبي شعيب، ويعود أقدم ذكر معروف له كدار عبادة إسلامي إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وفقًا للشيخ محمد تقي الفقيه في كتابه "جبل عامل في التاريخ".



من اليمين: صورة من داخل آبار شعيب، أجران قديمة قربها، والمئذنة التي أُضيفت قبل 5 عقود والقبّة التي أُضيفت مع توسعة المسجد خلال العقدين الأخيرين (شارك بعضها أبناء بليدا، وتصوير إبراهيم صفي الدين).
وفي المسح الذي أجراه "صندوق استكشاف فلسطين" البريطاني عام 1881، ذُكر المسجد كموقع أثري يضمّ أعمدة قديمة ونقوشًا. مرّ المسجد بعدة عمليات إعادة بناء وتجديد، حيث أعاد ناصيف النصار، الحاكم العام لجبل عامل، بناءه بعد واقعة الحولة عام 1771، وفي السبعينيات تعرّض لأضرار، مما دفع الأهالي إلى تدعيم سقفه بالباطون المسلح وبناء المئذنة بتبرعات الأهالي.
قيمة معمارية تضاف للقيمة التراثية
زُيّنت الجدران الخارجية للمسجد بزخارف غنية، من أبرزها نجمة سداسية بارزة على الجدار الجنوبي. كما انتشرت النقوش والزخارف عند المدخل، وحول النوافذ، أما المحراب فيُحاط بإطارات مزخرفة تتضمن مقرنصات دقيقة.




سقف المسجد من الداخل، ومقرنصات إسلامية مزخرفة، وزخارف هندسية وورقية حول إطار المحراب، وحجارة نافرة للزينة (شارك بعضها أبناء بليدا، وتصوير إبراهيم صفي الدين).
"حين رأيت المسجد مدمرًا شعرت وكأن جزءًا من روحنا قد انهار. لم أحزن على خسارة بيتي بقدر ما حزنت على تدمير المسجد الأثري."
السيدة فاطمة، من مكان نزوحها المستمر في مدينة صور
3. التحقيق والأدلة: تسلسل التدمير
بالعودة لسياق القصف وتتابع الأحداث، يتضح أن مسجد بليدا قد تعرض للهجمات الإسرائيلية مرتين على الأقل. التحليل التالي يوضح مراحل الهجوم والتدمير الكلي.
الهجوم الأول: أبريل/نيسان 2024
قصف استهدف المسجد قبل صلاة المغرب، ونُشر فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يُظهر الأضرار، وسط حديث عن قصف مدفعي ورشقات رشاش إسرائيلية باتجاه جنوب بليدا، رُدّ عليها بصواريخ لبنانية تجاه منطقة "بياض بليدا" شمال إسرائيل.
الهجوم الثاني: تدمير وتجريف المسجد
فيديو نُشر في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2024 يُظهر مساحة واسعة مدمّرة وضمنها مئذنة مدمّرة ملقاة على الأرض، وجرافة تُحدث عمليات تجريف إلى جانب جنود من الجيش الإسرائيلي.

لتقييم تأثير الضربة، تعاونت "المفكرة" مع جمعية "بلادي" لإجراء دراسة دقيقة حول هذا التأثير. أظهر التقييم أن الجدران الحاملة للمسجد تعرضت لضرر طفيف تمثّل في وجود فتحة صغيرة، وقد حافظت على سلامتها الهيكلية دون تصدّعات. كما أظهرت الدراسة أنّ السقف، المبني بطريقة العقد التقليدية، لم يتأثر بضرر ملموس، وظلت الأرضية وأبواب المسجد الخشبية، بما في ذلك الأبواب الرئيسية، سليمة تمامًا. في المقابل، تضررت النوافذ الخارجية المصنوعة من الحديد والزجاج، حيث وثّق التقييم تحطمًا جزئيًا في 6 نوافذ.


صورة بانورامية لموقع مسجد بليدا أثناء تجريفه (من فيديو نُشر على تلغرام في 14 أكتوبر 2024)، إلى جانب صورة أرشيفية للمئذنة (مدونة جبل عامل) استُخدمت للمطابقة والتحقق.
أجرت "المفكرة" مراجعة دقيقة للصور الأرشيفية، وأظهرت مقارنة تفاصيل المئذنة في الفيديو مع الصور القديمة تطابقًا في شكلها وتصميمها، مما رجّح أنّ المئذنة الظاهرة في الفيديو تعود لمسجد النبي شعيب. ولإضافة طبقة إضافية للتحقق، قام مختبر "نوى" بمطابقة المعالم البصرية البارزة في الفيديو بصورة للأقمار الصناعية للقرية حصل عليها من خدمة OnGeo بتاريخ 14 أكتوبر/تشرين الأول 2024، أظهرت المئذنة بشكل واضح.
دليل الأقمار الصناعية: التجريف الكامل
لفهم مراحل الدمار التي حلّت بالمسجد وتحديد نطاقه الزمني، تُظهر الصورة الأولى الملتقطة بواسطة خدمة Planet في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2024 المسجد قائمًا. بينما أظهرت الصورة الثانية، بتاريخ 14 أكتوبر/تشرين الأول 2024، المسجد بعد تعرضه لدمار كبير، مع بقاء المئذنة ظاهرة. أخيرًا، تُظهر صورة الأقمار الصناعية بتاريخ 21 أكتوبر/تشرين الأول 2024 المسجد بعد أن جُرِّف بالكامل مع المنطقة المحيطة به.

لم يقتصر التجريف على المسجد فقط بل طال المباني المجاورة؛ يُظهر تحليل صورة القمر الصناعي Planet بتاريخ 21 أكتوبر/تشرين الأول 2024 أن عشرات المباني المحيطة بالمسجد، والتي تعرضت للقصف وتلك التي كانت موجودة حتى تاريخ 14 أكتوبر/تشرين الأول، قد جُرِّفت، بالإضافة إلى الأشجار المحيطة بالموقع.

4. إعادة البناء ثلاثي الأبعاد: استعادة الذاكرة المكانية
في إطار الجهود المبذولة لتوثيق حجم الدمار الذي طال المسجد، أُجريت عملية إعادة بناء ثلاثية الأبعاد للمسجد بالتعاون مع مختبر "نوى"، استند البناء إلى الصور الأرشيفية المتاحة، وشهادات الأهالي الذين احتفظوا بذكريات دقيقة عن تفاصيل المسجد المعمارية، بالإضافة إلى التحليل الدقيق للفيديوهات المسربة وصور الأقمار الصناعية.
إعادة بناء ثلاثية الأبعاد لمسجد بليدا قبل تدميره على يد القوات الإسرائيلية خلال الغزو البري، وتفاصيل عناصره البصرية، ثم شكله بعد التدمير والتجريف.
أظهرت النماذج ثلاثية الأبعاد للمسجد شكلًا قريبًا جدًا من تصميمه الأصلي، مع إبراز العناصر المعمارية المميزة. وتُعدّ عملية إعادة البناء ثلاثي الأبعاد أداة حاسمة في توثيق جرائم الحرب، كما أن هذه النماذج تُشكّل أساسًا لأي جهود مستقبلية لإعادة بناء المسجد فعليًا.
5. التقييم القانوني
يُعدّ استهداف مسجد شعيب انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، إذ تحظر اتفاقية لاهاي لعام 1954 استهداف الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، مع الأخذ في الاعتبار أن المسجد لا تقتصر أهميته على القيمة الدينية كدار عبادة، بل يتمتع بأهمية تراثية ومعمارية ومدرج على لائحة الأبنية التراثية بلبنان، إلى جانب ارتباط السكان عاطفيًا به كجزء من الموروث الثقافي للبلدة.
إن الاستهداف لم يحدث مرة واحدة بل حدث مرتين على الأقل، وفي المرة الثانية لم يُكتفَ بالهدم الجزئي بل حدث تجريف للمسجد إلى جانب المباني المحيطة به، ما يُرجّح وجود تعمّد لمحو المبنى وهو ما يمثل انتهاكًا صارخًا.
إجراءات اليونسكو
تقدمت وزارة الثقافة اللبنانية في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2024 بطلب لليونسكو لعقد جلسة لحماية المناطق التراثية من الاستهداف. وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أدرجت اليونسكو 34 ممتلكًا ثقافيًا في لبنان تحت الحماية المعززة المؤقتة. ومع ذلك، لم يكن مسجد بليدا ضمن القائمة حيث كان قد دُمّر وجُرِّف بالفعل قبل هذا التوقيت.
"هذا المسجد هو جزء من ذاكرتنا الجماعية. تدميره لن يُسكتنا، بل سيجعلنا أكثر إصرارًا على البقاء هنا. سنعيد بناء كل حجر، لأن هذه الأرض لنا، ومهما حاولوا طمس هويتنا، سنظل نحميها."
أحمد، شاب من بليدا
