تجتمع دول العالم في مدينة أنطاليا التركية بين 9 و20 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 في مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ وتتولى أستراليا رئاسة مفاوضاته، بعد عشر سنوات على دخول اتفاق باريس حيّز التنفيذ. يُلزم الاتفاق الدول بالعمل على حصر ارتفاع حرارة الأرض دون درجتين مئويتين فوق مستواها قبل الثورة الصناعية، ومواصلة الجهود لكي لا يتجاوز 1.5 درجة. وتقدّم كل دولة كل خمس سنوات خطة لخفض انبعاثاتها، تُسمّى «المساهمة المحددة وطنيًا».
وقد اقترب العالم من هذا الحد. فبحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، كان عام 2024 على الأرجح أول عام يتجاوز فيه متوسط حرارة الأرض 1.5 درجة، إذ بلغ 1.55 درجة فوق مستوى ما قبل الثورة الصناعية، وتقدّر المنظمة الاحترار طويل الأمد بما بين 1.34 و1.41 درجة.
تقارن هذه القصة بين ما تطلقه الدول من انبعاثات وما تعهدت به. تبدأ بالدول الخمس الأكبر انبعاثًا في العالم، ثم تنتقل إلى الدول الخمس الأكبر انبعاثًا في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا. وفي كل قسم لوحة تتيح اختيار أي دولة لعرض أرقامها وتعهدها ومصادر الكهرباء فيها.
تعتمد الأرقام على بيانات منصة Climate Watch لـ194 دولة من عام 1990 حتى عام 2023، وهو آخر عام تتوفر عنه بيانات كاملة. وتُقاس الانبعاثات بوحدة «مكافئ ثاني أكسيد الكربون»، وهي وحدة تجمع غازات الدفيئة المختلفة، مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز، في رقم واحد بحسب قدرة كل غاز على تسخين الجو.
أطلق العالم في عام 2023 نحو 50.3 مليار طن من غازات الدفيئة، بزيادة 1.5% عن العام السابق، وبزيادة تقارب 60% عن عام 1990. ومنذ اتفاق باريس في عام 2015 ارتفعت الانبعاثات العالمية بنسبة 7.4%، ولم تنخفض بعده إلا في عام 2020، حين تراجعت بنسبة 3.8% بسبب الإغلاق الذي فرضته جائحة كورونا، ثم عادت إلى الارتفاع في العام التالي.
الدول الخمس الأكبر انبعاثًا في العالم
تطلق خمس دول، هي الصين والولايات المتحدة والهند وروسيا والبرازيل، 54.7% من انبعاثات العالم. وتتصدر الصين القائمة بنحو 14 مليار طن في عام 2023، أي 27.8% من انبعاثات العالم، وهذا أكثر مما أطلقته الدول الأربع الأخرى مجتمعة.
- الصين
- الولايات المتحدة
- الهند
- روسيا
- البرازيل
- متوسط العالم
المصدر: Climate Watch لكل غازات الدفيئة دون قطاع استخدام الأراضي والغابات، والأمم المتحدة لأعداد السكان عبر Our World in Data.
البيانات في جدول
لكن الصورة تنقلب عند حساب نصيب الفرد. يطلق الفرد في الولايات المتحدة 16.8 طن في السنة، وفي روسيا 16.6 طن، أي قرابة ستة أضعاف ما يطلقه الفرد في الهند. فنصيب الفرد في الهند لا يتجاوز 2.9 طن، وهو أقل من نصف المتوسط العالمي البالغ 6.2 طن. أما الفرد في الصين فيطلق 9.9 طن، وقد تجاوز المتوسط العالمي منذ عام 2007.
وتختلف مسارات الدول الخمس منذ عام 1990، حيث ارتفعت انبعاثات الصين من 3.4 مليارات طن إلى 14 مليار طن، أي أكثر من أربعة أضعاف. وبلغت انبعاثات الولايات المتحدة ذروتها في عام 2000، وهي اليوم أقل بنسبة 2.4% من مستواها في عام 1990. وانخفضت انبعاثات روسيا بنسبة 19% عن عام 1990، والسبب الرئيسي هو انهيار الصناعة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي في التسعينيات، وليس بسبب سياسات المناخ، إذ ارتفعت انبعاثاتها بنسبة 12% منذ عام 2015. وسجلت الهند أسرع زيادة بين الدول الخمس في عام 2023، حيث بلغت 7% في عام واحد.
وتنتهي هذه البيانات في عام 2023، حين ارتفعت انبعاثات الصين بنسبة 3.7%. لكن تحليلًا نشره موقع Carbon Brief في شباط/فبراير 2026 يقدّر أن انبعاثات الصين من ثاني أكسيد الكربون استقرت أو انخفضت قليلًا منذ آذار/مارس 2024، مع التوسع السريع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وللبرازيل وضع مختلف. تأتي قرابة نصف انبعاثاتها من الزراعة، خصوصًا تربية الماشية، بينما تولّد 87% من كهربائها من مصادر متجددة، أغلبها الطاقة الكهرومائية. ولو احتُسبت انبعاثات إزالة الغابات وتغيير استخدام الأراضي، لارتفع إجمالي انبعاثاتها في عام 2023 من 1.2 إلى 2.1 مليار طن.
اختر دولة من الأزرار أو من القائمة لعرض أرقامها. تعرض اللوحة إجمالي انبعاثات الدولة وترتيبها بين 194 دولة، والتغيّر السنوي في انبعاثاتها منذ عام 1991، وتعهدها المناخي، ومصادر توليد الكهرباء فيها.
الصين
التعهّد المناخي
تتعهد الصين بخفض صافي انبعاثاتها من غازات الدفيئة في الاقتصاد كله بنسبة 7% إلى 10% عن مستوى الذروة بحلول عام 2035، مع السعي إلى خفض أكبر. وهو أول هدف تعلنه الصين لخفض إجمالي انبعاثاتها، لكنه لا يحدد سنة الذروة التي يُقاس عليها.
- آخر مساهمة محددة وطنيًا
- مساهمة عام 2035، قُدّمت في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
- الحياد الكربوني
- قبل عام 2060، في سياسة معلنة لا في قانون.
وتتعهد أيضًا بأن تتجاوز حصة المصادر غير الأحفورية 30% من استهلاك الطاقة بحلول عام 2035.
مصادر توليد الكهرباء (2025)
- مصادر متجددة 37%
- طاقة نووية 5%
- وقود أحفوري 58%
المصادر: Climate Watch للانبعاثات؛ Ember ومعهد الطاقة لمزيج الكهرباء، عبر Our World in Data؛ سجل الأمم المتحدة للمساهمات المحددة وطنيًا للتعهدات.
الدول الأكثر انبعاثًا في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا
تضم المنطقة، كما نعرّفها في هذه القصة، 25 دولة تتوفر عنها بيانات. أطلقت هذه الدول مجتمعة 4.8 مليارات طن في عام 2023، أي 9.5% من انبعاثات العالم، مع أن سكانها يشكّلون 8.2% من سكان العالم. وارتفعت انبعاثات المنطقة إلى أكثر من مرتين ونصف مستواها في عام 1990.
تطلق خمس دول قرابة ثلثي انبعاثات المنطقة، هي إيران والسعودية وتركيا ومصر والعراق. وتحتل إيران المرتبة الثامنة عالميًا بأكثر من مليار طن، تليها السعودية في المرتبة التاسعة بـ779 مليون طن، ثم تركيا في المرتبة السادسة عشرة، ومصر في المرتبة الرابعة والعشرين، والعراق في المرتبة السادسة والعشرين.
- إيران
- السعودية
- تركيا
- مصر
- العراق
- متوسط العالم
المصدر: Climate Watch لكل غازات الدفيئة دون قطاع استخدام الأراضي والغابات، والأمم المتحدة لأعداد السكان عبر Our World in Data.
البيانات في جدول
تعتمد أربع من هذه الدول الخمس على الوقود الأحفوري في توليد معظم كهربائها، إذ يأتي 98% من الكهرباء في العراق والسعودية من النفط والغاز، و94% في إيران، و87% في مصر. وسجَّل العراق أسرع زيادة بين الدول العشر في هذه القصة منذ اتفاق باريس، إذ ارتفعت انبعاثاته بنسبة 51% بين عامي 2015 و2023. أما تركيا فتولّد 43% من كهربائها من مصادر متجددة، ويبلغ نصيب الفرد فيها 6.1 طن، وهو قريب من المتوسط العالمي.
ويختلف الترتيب كثيرًا عند حساب نصيب الفرد. لا تتصدر دول الخليج المنطقة فحسب، بل العالم، إذ يطلق الفرد في قطر 45.4 طن في السنة، وفي البحرين 39.9 طن، وفي الكويت 28.1 طن، وفي الإمارات 23.8 طن، وفي السعودية 23.4 طن، وفي عُمان 21.7 طن. وكل هذه الأرقام أعلى من نصيب الفرد في الولايات المتحدة. وفي الطرف الآخر، لا يتجاوز نصيب الفرد في اليمن وفلسطين 0.9 طن، أي إن الفرد في قطر يطلق ما يطلقه 52 فردًا في اليمن.
مرّر المؤشر على دولة أو المسها لعرض إجمالي انبعاثاتها وترتيبها.
المصدر: Climate Watch، والأمم المتحدة لأعداد السكان عبر Our World in Data. المنطقة هنا هي إقليما غرب آسيا وشمال أفريقيا في التقسيم الإحصائي للأمم المتحدة المعروف بـM49، مضافًا إليهما إيران.
يعود ارتفاع نصيب الفرد في دول الخليج في جزء كبير منه إلى أنها دول قليلة السكان تنتج النفط والغاز للتصدير. وتُحسب انبعاثات الإنتاج على الدولة المنتجة، لا على الدولة التي تستهلك الوقود في النهاية. ويضاف إلى ذلك ما تستهلكه تحلية المياه والتبريد من كهرباء تُولَّد كلها تقريبًا من الوقود الأحفوري.
إيران
التعهّد المناخي
وقّعت إيران اتفاق باريس في عام 2016 لكنها لم تصادق عليه، ولذلك لم تقدّم أي مساهمة محددة وطنيًا. وتعهدها الوحيد هو ما أعلنته في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، قبل الاتفاق، وهو خفض انبعاثاتها في عام 2030 بنسبة 4% عن سيناريو العمل كالمعتاد، وبنسبة تصل إلى 12% إذا رُفعت العقوبات وتوفر التمويل الدولي ونقل التكنولوجيا.
- آخر مساهمة محددة وطنيًا
- لا توجد، فإيران ليست طرفًا في اتفاق باريس.
- الحياد الكربوني
- لا يوجد هدف معلن.
إيران، مع ليبيا واليمن، هي الدول الثلاث الوحيدة التي وقّعت الاتفاق ولم تصادق عليه.
مصادر توليد الكهرباء (2025)
- مصادر متجددة 4%
- طاقة نووية 2%
- وقود أحفوري 94%
المصادر: Climate Watch للانبعاثات؛ Ember ومعهد الطاقة لمزيج الكهرباء، عبر Our World in Data؛ سجل الأمم المتحدة للمساهمات المحددة وطنيًا للتعهدات.
تعهدات يصعب مقارنتها
لا تكتب الدول تعهداتها بالطريقة نفسها، وهذا ما يجعل مقارنتها صعبة. بعضها يتعهد بخفض إجمالي انبعاثاته عن سنة أساس، مثل البرازيل التي تتعهد بخفض صافي انبعاثاتها بنسبة 59% إلى 67% عن مستوى عام 2005 بحلول عام 2035. وبعضها يقيس الخفض مقارنة بسيناريو «العمل كالمعتاد»، أي الانبعاثات المتوقعة لو لم تتخذ الدولة أي إجراء، مثل تركيا والعراق. أما الهند فتتعهد بخفض كثافة الانبعاثات، أي الانبعاثات مقابل كل وحدة من الناتج المحلي، وهو هدف يسمح بارتفاع إجمالي الانبعاثات مع نمو الاقتصاد.
ويغيّر اختيار سنة الأساس معنى التعهد. فروسيا تقيس هدفها بعام 1990، حين كانت انبعاثاتها في أعلى مستوياتها قبل انهيار الصناعة السوفياتية، ولذلك يرى Climate Action Tracker أن سياساتها الحالية تحقق الهدف دون جهد إضافي. وتحدد تركيا سقفًا لانبعاثاتها عند 643 مليون طن في عام 2035، وهو أعلى من مستواها الحالي.
وفي جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا يرتبط جزء كبير من التعهدات بشروط. يتعهد العراق بخفض يصل إلى 5% عن سيناريو العمل كالمعتاد بحلول عام 2035 دون شروط، ويرفعه إلى 22% إذا حصل على تمويل دولي ونقل للتكنولوجيا. ولم تقدّم مصر مساهمتها لعام 2035 حتى تشرين الأول/أكتوبر 2026، وتربط تنفيذ أهدافها الحالية لعام 2030 بالحصول على تمويل دولي.
أما السعودية فتتعهد بخفض انبعاثاتها أو تجنّبها أو إزالتها بمقدار 335 مليون طن سنويًا بحلول عام 2040، مقارنة بخط أساس متغيّر، وتربط ذلك باستمرار النمو الاقتصادي المدعوم بعائدات تصدير النفط والغاز. وأما إيران، فقد وقّعت اتفاق باريس في عام 2016 ولم تصادق عليه، وهي مع ليبيا واليمن الدول الثلاث الوحيدة في هذا الوضع، ولذلك يبقى تعهدها الوحيد ما أعلنته في عام 2015 قبل الاتفاق.
وعلى المستوى العالمي، انسحبت الولايات المتحدة، ثاني أكبر مُطلِق للانبعاثات، من اتفاق باريس في 27 كانون الثاني/يناير 2026، وستنسحب من الاتفاقية الإطارية بشأن تغير المناخ نفسها في 27 شباط/فبراير 2027. وبذلك لم يعد لتعهدها بخفض الانبعاثات بنسبة 61% إلى 66% عن مستوى عام 2005 أي أثر.
وبحسب تقرير فجوة الانبعاثات الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تقود السياسات الحالية إلى ارتفاع حرارة الأرض بما يصل إلى 2.8 درجة مئوية في هذا القرن، وبما بين 2.3 و2.5 درجة إذا نُفّذت كل المساهمات المعلنة. ويصل المفاوضون إلى أنطاليا وقد قدّم 147 طرفًا مساهمات جديدة حتى 30 حزيران/يونيو 2026، بحسب الأمانة العامة لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ.
