مواسم مطيرة في اليمن
طوال العقد المنصرم، عانى اليمن كثيرًا من الصراعات الداخلية غير المتناهية، واضطراب الوضع السياسي الذي أثَّر بشكل مباشر على البنية التحتية وغيرها من القطاعات الحيوية. تذكر اليونسيف أنه بالرغم من تراجع حدة النزاع النشط منذ نيسان/أبريل 2022، إلا أنه ما زال هناك قرابة 10 ملايين طفلٍ بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية حتى مارس/آذار 2024. بينما ذكرت هيومن رايتس ووتش أن أكبر الأزمات الإنسانية في العالم يمر بها اليمن، إذ يحتاج 21 مليون يمني للمعونة، كما يعانون من نقص الغذاء والرعاية الصحية والبنى التحتية.
ضاعفت التأثيرات السلبية الناتجة عن التغيُّرات المناخية المعاناة في اليمن، إذ دمرت الظواهر الجوية القاسية مرافق الريّ؛ ما أدى إلى فقدان سبل العيش الزراعية، وفرضت ضغوطًا إضافية على موارد المياه والأراضي الأخرى. يذكر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنه "من المتوقع أن يكون تغيُّر المناخ سببًا في أكثر من 121,000 حالة وفاة في اليمن بحلول عام 2060".
يُعَد تغيُّر المناخ، وارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط هطول الأمطار، والظواهر الجوية المتقلبة التي تضرب اليمن بشدة، من أهم أسباب دمار البيئة والتأثير على سبل العيش وصحة الأفراد في اليمن.
تشكِّل الزراعة عنصرًا رئيسيًا للحياة في اليمن، إذ يعتمد ثلثا اليمنيين على الزراعة في معيشتهم، وفقًا لبيانات البنك الدولي. وتتأثر الزراعة في اليمن بتلك التغيرات المناخية أيضًا كون أغلبها زراعة مطيرة، أي تعتمد على مواسم الأمطار في ريّ المحاصيل. بالإضافة لتكرار حدوث الفيضانات والسيول الناتجة عن الأمطار الغزيرة خلال العام، التي لا تؤثر على الزراعة والأراضي الزراعية فقط، بل أيضًا البنية التحتية، متسبّبةً بتعطيل الخدمات الأساسية ونزوح السكان.
اعتمد اليمن، لسنواتٍ طويلةٍ، على المياه الجوفية غير المتجددة كمصدر رئيسي لاستهلاك المياه ما تسبّب بتجاوز مخزون المياه الموجودة في الأرض. ويذكر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن اليمن استنفد المخزون الطبيعي للمياه لـ10,000 سنة على مدى الخمسين السنة المنصرمة.
بالرغم من ذلك، يعدُّ هطول الأمطار والمواسم المطرية حدثًا مهمًا في حياة المزارعين لإرتباطه بمواسمهم الزراعية، كممارسة ثقافية سائدة. وتؤثر هذه الأمطار على حوالي 50٪ من الأراضي المزروعة حسب الفاو. كما يعتبر مناخ اليمن متنوع عمومًا، نظرًا للموقع الجغرافي والتضاريس المتنوعة التي يمكن ملاحظة تأثيرها. يذكر الجهاز الوطني للمعلومات أنّه ورغم إطلالة اليمن على بحرين، البحر الأحمر والبحر العربي، إلا أنّ ذلك لم يكن ذا تأثيرٍ واسع على مناخ البلاد، واقتصر على معدلات الرطوبة وتعديل بعض خصائص الرياح.
ويمتلك اليمن موسمين للأمطار، الأوّل في فصل الربيع، أي في شهريّ مارس/أيار وأبريل/نيسان، والثاني في فصل الصيف، أي في شهريّ يوليو/تموز وأغسطس/آب. يعدُّ الموسم الثاني "الصيفي" الأكثرّ مطرًا، كما تتباين كمية الأمطار تباينًا مكانيًا. يذكر الجهاز الوطني للمعلومات أن "أعلى كمية تساقط سنوي تكون في المرتفعات الجنوبية الغربية كما في مناطق إب وتعز والضالع ويريم، حيث تتراوح كمية الأمطار الهاطلة هناك ما بين 600-1500 مم سنويًا، وتقلّ كمية الأمطار الساقطة في السهل الساحلي الغربي كما هو في الحديدة والمخا".
في الأعوام الأخيرة، يهدد تغيُّر المناخ والتقلبات المصاحبة معه شكل المواسم المطيرة، ما ينبئ عن مستقبل أكثر انتكاسة. ويذكر تقرير آخر لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن أنماط وتوقعات هطول الأمطار في اليمن ستكون الأكثر ضبابية وتنوعًا إقليميًا. ولكن من المرجح أن يشهد اليمن سيولًا وفيضانات أكثر توترًا وشدة.
في نفس التقرير، ذُكر أنّ المرتفعات وساحل البحر الأحمر ستشهد تزايدًا في هطول الأمطار في فصل الصيف مستقبلًا، في حين لا يقتصر فقط على زيادة متوسط الهطول وإنما ستتصاعد أيضًا درجة التباين وعلى نحوٍ كبيرٍ ما سيؤدّي إلى بروز ظواهر طبيعية أكثر تطرفًا كالسيول والفيضانات. وفقًا لبيانات مركز IDMC تسببت الفيضانات بنزوح ما يقارب 85.1 ألف شخصٍ داخليًا، مقابل 4.6 ألف نازح بسبب الصراع الدائر.

خلال السنوات الخمس الأخيرة، شهدت محافظة الحديدة ارتفاعًا في مستويات هطول الأمطار، وصلت إلى ذروتها في أغسطس/آب صيف 2022، مسجّلةً 133.65 ملم مكعب، ما تسبب بكارثة إنسانية لا تقل فظاعة عن باقي الأعوام.

الحديدة في مرمى السيول
تقع محافظة الحديدة اليمنية على ساحل البحر الأحمر، وتبعد عن العاصمة صنعاء مسافة تصل إلى حوالي 226 كيلومترًا. إن تضاريس محافظة الحديدة تجعلها مصبًا للمياه الجارية، فهي تتكون من سهل منبسط قليل الانحدار نحو البحر، وتشغل مقعراتها مجاري روافد الوديان التي تصب أيضًا في البحر.

هذا العام، تحديدًا في 6 أغسطس/آب 2024، شهدت المحافظة فيضاناتٍ وسيولًا كارثية، حيث بلغت المنطقة المتأثرة والمغمورة بالمياه حوالي 485 كيلومترًا مربعًا حسب بيانات الخرائط التي أعدّها الفريق، كما أجبرت الفيضانات والسيول ما بين 150 إلى 170 ألف ساكن على النزوح.
وتذكر الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية أنّ كمية الأمطار المتساقطة على محافظة الحديدة وصلت لحوالي 95.9 مليمتر مكعب، من الساعة 11:30 بتاريخ 6 أغسطس/آب 2024 إلى الساعة 11:30 بتاريخ 7 أغسطس/آب 2024. ولم تكن أسباب الفيضانات هطول الأمطار الغزيرة على المحافظة فقط، بل تساقطها أيضًا في المحافظات المجاورة التي صبّت مجاري وديانها وسهولها باتجاه الحديدة خلال اليومين السابقين.


لقطات من بيانات الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية اليمنية حول كمية الأمطار المتساقطة على محافظة الحديدة.
| المحطة | كمية الأمطار (ملم) |
|---|---|
| إب | 15.1 |
| ريمة | 16.6 |
| صنعاء | 19.5 |
| المحويت | 19 |
| ذمار | 22.4 |
| حجة | 30.5 |
| الحديدة | 95.9 |
كمية الأمطار من الساعة 11:30 بتاريخ 6 أغسطس/آب إلى 11:30 بتاريخ 7 أغسطس/آب 2024.
| المحطة | كمية الأمطار (ملم) |
|---|---|
| إب-بدان | 49.8 |
| ذمار | 31.6 |
| صنعاء | 19.3 |
| حجة | 5.4 |
| ريمة | 3.7 |
| البيضاء | 2.8 |
| صعدة | 2.7 |
كمية الأمطار من الساعة 10:50 بتاريخ 5 أغسطس/آب إلى 10:50 بتاريخ 6 أغسطس/آب 2024.






لقطات متداولة توثّق حجم الفيضانات في محافظة الحديدة، جرى التحقق من مواقعها عبر مطابقتها بصور الأقمار الصناعية.



نشر مستخدمو/ـات مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام جانبًا من تلك الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والأراضي الزراعية. يظهر فيديو نشره المركز الإعلامي لأنصار الله منطقة المنصر، الأضرار والدمار على طريق صنعاء-تعز في مديرية المنصورية، كما أظهرت صور الأقمار الصناعية هذه الأضرار بوضوح.
ولم تكن هذه المنطقة الوحيدة المتضررة، فقد نشر المركز الإعلامي لأنصار الله أيضًا صورًا لمنطقة كسارة في مديرية زبيد بمحافظة الحديدة، تظهر السيول وهي تشقّ طريقها، وهي صورة تطابقت بالفعل مع صور الأقمار الصناعية للمنطقة ذاتها.

بالإضافة إلى مديرية القناوص، التي ظهر تأثرها أيضًا بالسيول الجارفة، كما بدا في لقطات نشرها المركز الإعلامي لأنصار الله.

وتعرّضت مديرية الدريهمي أيضًا للأضرار، إذ أمكن ملاحظة المسطحات المائية الناتجة عن السيول والفيضانات في قرية اللاوية بعزلة المساعيد التابعة للمديرية، عبر الأقمار الصناعية ولقطات الفيديو التي نشرها المركز الإعلامي أيضًا.

وبعد رصد فريق نوى ميديا صور الأقمار الصناعية ليوم 7 أغسطس/آب 2024، وجد الفريق منطقة تُدعى "محل البُن" بمديرية الدريهمي في محافظة الحديدة، غمرتها مياه الفيضانات والسيول بالكامل، إذ أظهرت سلسلة الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية انجراف المنطقة بفعل السيول التي ضربت المحافظة ليلة 6 أغسطس/آب 2024.
وبالبحث عن صور للمنطقة، وجد الفريق تقريرًا مصورًا نشرته الجزيرة في 26 أغسطس/آب 2024 يُظهر لقطات ذكر التقرير أنها صُوِّرت يوم 8 أغسطس/آب. وبمزيدٍ من البحث، تبيّن أن اللقطات ذاتها نُشرت يوم 7 أغسطس/آب على حساب اليمنية TV، وهي لقطات تعود إلى الكارثة التي وقعت ليلة 6 أغسطس/آب، أي تطابق ما ظهر في صور الأقمار الصناعية.


الأثر على الأراضي الزراعية
يلعب القطاع الزراعي في اليمن دورًا أساسيًا في التنمية الاقتصادية، فوفقًا لبيانات البنك الدولي وصلت نسبة المساحات المزروعة في 2021 إلى (44.4%) من إجمالي مساحة الأراضي اليمنية. كما تذكر أن متوسط مساهمة القطاع الزراعي حوالي (28.7%) من إجمالي الناتج المحلي في 2018.
بالرغم من ذلك، تعدّ الزراعة أكثر القطاعات تأثّرًا بالتغيرات المناخية والظواهر الطبيعية القاسية التي تؤدي بالعادة إلى إتلاف المحاصيل وتدميرها. يذكر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنه "يمكن أن تؤدي دورات الجفاف والفيضانات المستمرة إلى تفاقم جريان المياه وتآكل التربة، مما يعيق إنتاج المحاصيل مستقبلًا".
أعلن الهلال الأحمر اليمني تضرر 19 محافظة نتيجة الفيضانات من أبريل/نيسان إلى أغسطس/آب 2024، ما أثّر على 63,195 أسرة. كانت المحافظات الأكثر تضررًا هي حجة والحديدة ومأرب وتعز وصعدة والجوف وذمار. وأغلبية تلك المحافظات تمتلك مساحات زراعية شاسعة وخصبة. يمكن ملاحظة تلك المساحات الزراعية في بيانات الخرائط التي أعدّها فريق التحقيق.

بالعودة إلى المحتوى البصري المتداول عن ليلة الكارثة في الحديدة، ظهرت أراضٍ زراعية واسعة متأثرة، إذ جرفتها السيول أو أغرقتها الفيضانات. كما تداولت وسائل الإعلام ومستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي لقطاتٍ لأشجار تعرّضت هي الأخرى للجرف. ويمكن استيعاب حجم التأثير باعتبار أن الحديدة تُعدّ من أهم المحافظات التي تزوّد اليمن بسلّته الغذائية.
وعند مقارنة المساحات الزراعية عبر صور الأقمار الصناعية الملتقطة يوم 7 أغسطس/آب 2024، يمكن ملاحظة حجم التأثر. فقد أجرى الفريق مقارنة بين صور مأخوذة لجزء من محافظة الحديدة من خريطة بيانات الغطاء النباتي المحدَّدة باللون الأصفر للمساحات الزراعية، مع صورة أخرى مأخوذة عبر الأقمار الصناعية عرّفت المناطق الممتلئة بمياه السيول والفيضانات باللون الأزرق الداكن، ويمكن الاستنتاج أن أغلبية المناطق الزراعية قد أغرقتها المياه.
أمراض منتقلة
لا تؤثّر السيول والفيضانات على البنية التحتية فقط بل تتسبّب أيضًا في تدهور الوضع الصحي وظهور الكوارث الصحية. أبرز العواقب الصحيّة المرتبطة بالفيضانات هي التهابات الجهاز التنفسي والتهابات الجهاز الهضمي والأمراض التي تنتقل عبر المياه، إضافةً للحُميّات والأمراض التي تنقلها الحشرات نتيجة للمياه الملوثة والراكدة. كما تتفاقم أسباب الوفاة بسبب ضعف البنية التحتية التي تحول دون انتقال المدنيين إلى المرافق الصحية. زد على ذلك، تؤدي الفيضانات إلى تدمير أنظمة الإمداد، وطرق الري، وتلوّث مصادر المياه النظيفة بمياه الصرف الصحي.
يأتي هذا الوضع ليزيد حجم المعاناة، حيث تشهد اليمن من الأساس وضعًا صحيًا مريعًا، ففي 2017 خلال عام واحد فقط وصلت حالات الكوليرا المشتبه بها المسجلة وفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية إلى أكثر من مليون و227 ألف حالة. وفي 2019 كانت تُسجل حوالي 1200 حالة يوميًا. كما تؤكد البيانات تسجيل أكثر من 2.6 مليون حالة كوليرا مسجلة بين 2016 و2022، مسببةً 4 آلاف حالة وفاة.

مؤخرًا، أبلغت منظمة الصحة العالمية عن تفشي الإسهال المائي الحاد وحالات الكوليرا المشتبه بها، وذكرت أن عدد الحالات المسجلة في الفترة الممتدة بين 1 يناير/كانون الثاني و29 أبريل/نيسان 2024 في جميع المحافظات اليمنية الـ22 بلغ حوالي 30,000 حالة، غالبيتها تتركز في المناطق الشمالية.


بيانات منظمة الصحة العالمية حول انتشار الأمراض المنقولة بالمياه في اليمن.
مع تزايد عدد حالات الاشتباه، توقعت منظمة الصحة العالمية في مايو/أيار 2024 أن يتراوح العدد الإجمالي لحالات الكوليرا بين 133 إلى 255 ألف حالة بحلول سبتمبر/أيلول 2024. لا يمكن الجزم إن كانت تلك التوقعات تضمنت الكوارث الطبيعية المتمثلة بالفيضانات والسيول خاصةً أنها ضربت بعض المحافظات اليمنية المتأثرة بانتشار الكوليرا مؤخرًا خلال يوليو/تموز وأغسطس/آب، ولكنها بالفعل شملت نقص التمويل وانعدام توافر مراكز صحية بالإضافة لنقص الإمدادات بسبب العمليات العسكرية في البحر الأحمر، التي تجعل فرق الاستجابة السريعة في وضع خطر للاستجابة لأعداد كبيرة من طالبي الرعاية الصحية.
ناهيك عن مصرع وفقدان الكثيرين نتيجة الغرق أو سحبهم مع السيول. أعلنت منظمة الصحة العالمية أيضًا أن فيضانات كبيرة نتيجة الأمطار الغزيرة في ليلة السادس من أغسطس/آب 2024 أدّت إلى مصرع 30 شخصًا وفقدان 5 آخرين.
وذكرت المنظمة أن المياه غمرت مرافق صحية أساسية وألحقت بها أضرارًا جسيمة، ومنها:
- مستشفى باجل والمراكز الصحية في مديريات المراوعة والزيدية والزهرة، والتي غمرتها المياه.
- مركز السُل، الذي لحقت به أضرار جسيمة ودُمِّرت جميع المعدات والأدوية فيه.
تتجلّى التحديات المناخية في اليمن بوضوح مع تصاعد الكوارث البيئية والظواهر المناخية المتطرفة، ومنها ما رصدته صور الأقمار الصناعية أيضًا من تأثر مديرية المراوعة في محافظة الحديدة بالسيول. ومع ذلك، يبدو أن الصراع السياسي المستمر في البلاد يعوق تنفيذ خطط التكيّف وإدارة المخاطر التي تُعد أساسية لمواجهة هذه التحديات. إن المستقبل المناخي في اليمن ينذر بالخطر، ما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة وفعّالة لتخفيف التأثيرات السلبية، وتطوير استراتيجية مستدامة للتكيّف مع التغيرات المناخية.








