مخابز تحت الأنقاض: تحقيق في قصف مخبز المغازي الجديد
تحقيق مفتوح المصدر

مخابز تحت الأنقاض: تحقيق في قصف مخبز المغازي الجديد

تحقيق مفتوح المصدر يوثّق بالأدلة المرئية وصور الأقمار الاصطناعية قصف مخبز المغازي الجديد، المصدر الوحيد للخبز في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، بعد ساعات من تزويده بالدقيق والوقود من الأونروا.

منهجية التحقيق

اعتمد التحقيق على جمع وحفظ وتحليل 34 مصدرًا من مقاطع الفيديو والصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية. حُدِّد توقيت الهجوم عبر البحث المتقدم على فيسبوك باستخدام أداة WhoPostedWhat، وعلى إكس وتيلغرام، إضافة إلى أداة Epoch للتحقق الدقيق من الطوابع الزمنية. حُدِّد الموقع الجغرافي للمخبز بمطابقة صور الأقمار الصناعية من Google Maps وGoogle Earth مع الصور المنشورة للمكان قبل الهجوم وبعده، واستُخدمت أداتا ImageJ وGoogle Earth Pro لتقدير حجم الحفرة الناتجة عن الانفجار. لم يتمكن التحقيق من تحديد نوع الذخيرة أو الجهة المسؤولة عن الهجوم بشكل قاطع بناءً على المعلومات المتاحة.

مشاركة

في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وانعدام الأمن الغذائي في قطاع غزة إثر تصاعد الأعمال القتالية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، يشهد القطاع أزمة غذائية خانقة ونقصًا في التمويل الغذائي، إلى جانب تدمير البنية التحتية ومصادر الغذاء مع تقييد ومنع وصول المساعدات الإنسانية. حذّرت اليونيسف من أن انعدام الأمن الغذائي الحاد يعرّض جميع الأطفال دون سن الخامسة في القطاع لخطر سوء التغذية الحاد والوفاة التي يمكن الوقاية منها.

ولم تسلم المخابز التي توفر جزءًا من احتياج المنطقة من الغذاء من هذا الدمار، سواء بالقصف المباشر أو بالتضرر والتوقف عن التشغيل. يذكر برنامج الغذاء العالمي أن القصف تسبب بتوقف العديد من المخابز التي كان يعمل معها لتوفير الخبز للنازحين، مضيفًا أن نحو 2.2 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات غذائية. كان مخبز المغازي الجديد واحدًا من تلك المخابز، إذ تعرّض لضرر إثر قصف مباشر في جنوب وادي غزة، في واقعة تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى التزام الأطراف المتحاربة بالقوانين الإنسانية الدولية، خصوصًا في ضوء توجيهات إسرائيل لسكان غزة بالانتقال إلى الجنوب.

1. عن المخبز وأهميته الحيوية

يقع مخبز المغازي الجديد في جنوب وادي غزة، وهو الوحيد في المنطقة بحسب شهادات المدنيين، إذ يُعد نقطة توزيع رئيسية لإنتاج الخبز لآلاف العائلات التي تقطن المخيم والنازحين الذين هُجّروا جراء القصف منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

دُمّر المخبز بالكامل مساء 24 أكتوبر/تشرين الأول بعد قصفه من قبل الطائرات الإسرائيلية وفقًا لبيان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الذي أضاف أنه "المخبز الوحيد الذي تم تزويده قبل ساعات بالدقيق والوقود من الأونروا". أكد ذلك أحمد زيارة، أحد العاملين في المخبز، الذي ذكر أن الأونروا مولت المخبز بالدقيق والغاز "لنبدأ اليوم حسب الاتفاق ببيع ربطة الخبز بأربعة شواكل"، لكن القصف حال دون ذلك. ويعيدنا ذلك إلى التقرير الثالث عشر للأونروا الصادر في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ـ اليوم السابق للقصف ـ الذي ذكر استمرار تزويد ثلاثين مخبزًا في القطاع بالدقيق، ما يعطي احتمالًا بأن المغازي كان أحد تلك المخابز الثلاثين المدعومة.

2. تسلسل الأحداث: التحقق من توقيت الهجوم

بدأت الأنباء تتداول حول قصف مخبز المغازي في وقت متأخر من مساء 24 أكتوبر/تشرين الأول. ففي تمام الساعة 23:42 بتوقيت القدس، نشرت همس محمد على فيسبوك منشورًا يصف الحادث بأنه "مجزرة في قصف مخبز المغازي". وللتحقق من الوقت الدقيق، استُخرج معرّف الطابع الزمني لمنشورها باستخدام خاصية Inspect والبحث عن عبارة story":{"creation_time داخل بيانات فيسبوك المرفقة، ليظهر المعرّف الزمني (1698180146). وباستخدام أداة EpochConverter لتحويله إلى توقيت مدينة غزة، تبيّن أن المنشور نُشر يوم الخميس 24 أكتوبر الساعة 23:42:26 بتوقيت غزة.

لقطة شاشة لأداة EpochConverter تظهر الطابع الزمني لمنشور همس محمد على فيسبوك
لقطة شاشة لخطوة Inspect على منشور همس محمد على فيسبوك، ولأداة EpochConverter التي تُظهر الطابع الزمني للمنشور. كانون الثاني/يناير 2024.
23:42

أول بلاغ على فيسبوك

همس محمد تصف الحادثة بأنها "مجزرة في قصف مخبز المغازي".

بلاغات متتابعة على تيليجرام

قناة الأقصى تُبلغ عن 4 قتلى، ثم الصحفي محمود اللوح يؤكد نقل شهداء وإصابات، ويُحدّث بعد دقيقة ليؤكد مقتل 6 أشخاص.

تفاصيل إضافية عن الموقع

خليل الغفاري، مواطن من سكان المغازي، يذكر أن القصف استهدف منزل عائلة البربراوي في سوق المغازي وأدى إلى تدمير المخبز المجاور.

توثيق الدمار الشامل

صفحة "المغازي الآن" على فيسبوك تنشر صورًا توثّق دمارًا كبيرًا طال المخبز وبوظة حمادة وعابد للصرافة ومحلات ومبانٍ سكنية مجاورة.

يدعم هذا التسلسل الزمني شهادتان ميدانيتان: الأولى لأحمد زيارة الذي ذكر لوكالة الرأي الإخبارية أن الهجوم وقع أثناء استراحة العاملين بين الساعة العاشرة والثانية عشرة ليلًا، والثانية لمالك المخبز الذي ذكر لقناة العربي أنهم غادروا الساعة التاسعة مساءً ليعودوا للعمل الساعة الحادية عشرة، لكنهم فوجئوا قبل عودتهم بعشر دقائق بقصف المخبز وهم على بعد نحو 50 مترًا منه.

منشورات صفحة "المغازي الآن" على فيسبوك، توثّق اللحظات الأولى بعد الهجوم على مخبز المغازي الجديد والمباني المجاورة.

3. التحقق من الموقع وتحليل الدمار

للتحقق من صحة الروايات المتداولة، جرى البحث عن مخبز المغازي الجديد على يوتيوب، فعُثر على مقطع فيديو نشرته قناة الكوفية في أبريل/نيسان 2022 ـ قبل عام من القصف ـ يُظهر جولة في شوارع مخيم المغازي تتضمن صورًا لواجهة المخبز قبل استهدافه. وتطابقت هذه الواجهة مع صورة نشرها رامي عبده على منصة إكس زعم أنها للمخبز قبل الهجوم.

أعلى: لقطة من فيديو قناة الكوفية على يوتيوب وصورة رامي عبده على إكس، تُظهران واجهة المخبز قبل استهدافه. أسفل: مطابقة لقطات قناة الكوفية مع منشور صفحة "المغازي الآن" الذي أبلغ عن الحادثة. كانون الثاني/يناير 2024.

وبالبحث في خرائط جوجل، ومن خلال التحليل المقارن لصور الأقمار الصناعية للموقع مع صور المخبز قبل الهجوم من فيديو قناة الكوفية، وصور المخبز بعد الهجوم من اللقطات الجوية التي بثّتها قناة الجزيرة، ومطابقة المعالم البارزة، تم تحديد موقع مخبز المغازي الجديد بدقة، إذ يقع في مخيم المغازي بالسوق المركزي في محافظة دير البلح وسط قطاع غزة، عند الإحداثيات (31.42197, 34.38353).

لقطات شاشة للموقع المتأثر: صور أقمار صناعية من خرائط جوجل مقابل لقطات جوية من قناة الجزيرة للموقع بعد الهجوم، تُظهر تطابق المعالم البارزة. كانون الثاني/يناير 2024.

مطابقة صور الأقمار الصناعية مع اللقطات الجوية لموقع القصف، مع تحديد موقع الحفرة الناتجة عن الانفجار
أعلى: صورة أقمار صناعية من خرائط جوجل لموقع مخبز المغازي الجديد. أسفل: صورة من اللقطات الجوية التي نشرتها قناة الجزيرة للموقع المتأثر. المربع الأخضر: موقع تأثير الهجوم. الدائرة الحمراء: الحفرة الناتجة عن اصطدام القذيفة بمبنى المخبز.

ويُظهر التحليل المقارن لصور فضائية من يونيو/حزيران 2022 ونوفمبر/تشرين الثاني 2023 تغييرات جوهرية؛ إذ تُظهر الصورة الأولى المخبز سليمًا وجزءًا من البنية التحتية في منطقة كثيفة السكان، بينما تُظهر الثانية دمارًا واضحًا في مكانه سابقًا، إلى جانب الحفرة المتكوّنة جراء الانفجار.

ألبوم صور للموقع المتأثر بعد الهجوم، التقطها عطية درويش، المصدر: وكالة الرأي.

وتُظهر اللقطات الجوية التي نشرتها قناة الجزيرة حفرة كبيرة ناجمة عن الهجوم، ما يشير إلى القوة الهائلة للانفجار وقدرته التدميرية العالية على البنية التحتية المجاورة.

لقطة من اللقطات الجوية التي نشرتها قناة الجزيرة تُظهر حجم وعمق الحفرة الناتجة عن القصف
لقطة شاشة من لقطات جوية نشرتها قناة الجزيرة، تُظهر حجم وعمق الحفرة في موقع مخبز المغازي الجديد جراء الغارة التي استهدفته. كانون الثاني/يناير 2024.

4. قياس الحفرة وتقدير قوة السلاح المستخدم

لفهم أوسع للحادثة، حُلّلت الحفرة الناتجة عن الهجوم باستخدام أداة ImageJ لقياس الأحجام، بالاعتماد على طول أحد الأشخاص الظاهرين إلى جانب الحفرة (بمعدل وسطي نحو 175 سم) كمرجع للقياس، وذلك من مقطع نشرته وكالة وفا على يوتيوب.

لقطة من مقطع فيديو لوكالة وفا يُستخدم فيها شخص كمرجع لقياس حجم الحفرة بأداة ImageJ
لقطة شاشة من مقطع نشرته وكالة وفا على يوتيوب، استُخدم فيها أحد الأشخاص كمرجع للقياس باستخدام أداة ImageJ.

لقطتا شاشة من مقطع وكالة وفا، تُظهران حساب قطر الحفرة بنحو 13.65 مترًا وعمقها بنحو 4.86 مترًا استنادًا إلى مرجع القياس البشري باستخدام أداة ImageJ.

تشير التقديرات إلى أن قطر الحفرة الناتجة عن الهجوم يبلغ نحو 13.65 مترًا، وعمقها نحو 4.86 مترًا ـ وهو ما تم التحقق منه أيضًا عبر أداة القياس في Google Earth Pro، التي أعطت نتيجة مقاربة بلغت نحو 13.53 مترًا.

مقارنة لموقع الحفرة باستخدام مسطرة القياس في Google Earth Pro
مقارنة للموقع عبر لقطة شاشة من إحدى الصور المنشورة لموقع الحادثة مع موقع التأثير على خرائط Google Earth Pro، باستخدام مسطرة القياس التي تُظهر قطر الحفرة بنحو 13.53 مترًا.

ويُشار إلى أن هذا التقييم تقريبي، وأن أي تحليل دقيق يتطلب لجان تحقيق مختصة قادرة على الوصول إلى موقع الحادثة. ووفقًا لتقرير خدمات أبحاث الأسلحة (ARES) عن الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة، فإن الضرر الناتج عن الذخيرة التي شكّلت الحفرة يتوافق مع خصائص وآثار سلاح متفجر كبير الحجم، يُقدَّر بين 250 و500 رطل، يُرجَّح أنه قذيفة غارة موجهة جوًا.

جدول من تقرير خدمات أبحاث الأسلحة ARES يحلل قياس الحفرة مقارنة بوزن القذيفة
صورة من تقرير خدمات أبحاث الأسلحة (ARES)، تُظهر جداول تحليل قياس الحفرة والدمار في البنية التحتية مقابل وزن القذيفة المحتمل.

5. الضحايا

أشارت التقارير الإخبارية الأولية إلى سقوط قتلى وجرحى، ثم توالت البلاغات حول ازدياد عدد الضحايا مع مرور الساعات. ففي 24 أكتوبر/تشرين الأول، بعد دقائق من الهجوم، نشر الصحفي مثنى النجار عبر تيليجرام أن الهجوم أسفر عن 5 ضحايا، ثم عاد بعد 35 دقيقة ليؤكد ارتفاع العدد إلى 7، مرفقًا صورًا تُظهر عمليات الإسعاف إلى مستشفى شهداء الأقصى. وفي اليوم التالي، ارتفع عدد الضحايا إلى 10 وفق ما نقلته وكالة الأناضول وأكده ناشطون على مواقع التواصل. وأكد سلامة معروف، رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، في بيان صدر بعد الحادثة، أن الهجوم أسفر عن استشهاد 10 أشخاص وإصابة عشرات الجرحى.

بيان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة على فيسبوك حول حادثة قصف مخبز المغازي الجديد
لقطة شاشة لبيان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة على فيسبوك حول حادثة قصف مخبز المغازي الجديد، يفيد بسقوط عشرة قتلى وإصابة العشرات. كانون الثاني/يناير 2024.

6. الأثر القانوني الدولي وضرورة التحقيقات المستقلة

في ضوء الهجمات المتكررة على المخابز في قطاع غزة، وخصوصًا مخبز المغازي الذي قُصف بعد تزويده بالوقود والدقيق من الأونروا، يبرز سؤال جوهري حول الامتثال للقانون الدولي. إذ يُعد استهداف المرافق المدنية مثل المخابز انتهاكًا صريحًا للقوانين الإنسانية الدولية، خصوصًا عندما يؤدي إلى عواقب إنسانية وخيمة على المدنيين. تحظر المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة العقوبات الجماعية وكل أشكال الإرهاب والترهيب، كما تحظر المادة 53 من الاتفاقية نفسها تدمير الممتلكات العامة أو الخاصة إلا في حالات الضرورة العسكرية المطلقة.

وأثناء إنجاز هذا التحقيق، رُصدت مواد مرئية تشير إلى ست هجمات مزعومة أخرى على مخابز، لم يتسنَّ التحقق منها، بين 10 أكتوبر و1 نوفمبر 2023، شملت مخبز اليازجي في تل الهوا ومخبز الواحة، ومخبز كامل عجور بفرعيه في السدرة والشيخ رضوان، ومخبز المغازي، ومخبز الشرق في جباليا وشارع النصر. ووفقًا للبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، تحظر المادة 48 استهداف السكان أو الأعيان المدنية، وتحظر المادة 51(2) أعمال العنف التي تهدف إلى نشر الرعب بين المدنيين، بينما تُحرّم المادة 54(2) الهجمات على الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين، كالمواد الغذائية ومنشآت المياه.

في هذا السياق، قد تُشكّل هذه الهجمات على المخابز انتهاكًا واضحًا لهذه الأحكام، بوصف المخابز مرافق حيوية للأمن الغذائي وبقاء السكان المدنيين. وتبرز الحاجة الملحة لإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة لتحديد ما إذا كانت هذه الأعمال تشكل انتهاكات للقانون الدولي، ولضمان محاسبة المسؤولين عنها، بما يحمي المدنيين في المستقبل.

© 2026 Pax Memoria — وحدة التحقيقات مفتوحة المصدر · سياسة الخصوصية ·